الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - الأمم الضالّة السابقة
المؤمنين الذين كانوا في مكّة- آنذاك- محاصرين من قبل العدو من كلّ الجوانب.
ثمّ يضيف القرآن المجيد أنّ ضلالتهم لم تكن بسبب افتقادهم القائد و عدم موعظتهم وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ.
إذا أنّنا أرسلنا إليهم أنبياء لإنذارهم من خطر الشرك باللّه و الكفر به، و الظلم و الاعتداء، و تقليد الآخرين بصورة عمياء، و لاطلاعهم على مسئولياتهم.
صحيح أنّ الرسل يحملون في يد رسالة الإنذار، و في الاخرى رسالة البشارة، لكن الإنذار يشغل الجزء الأكبر من مواعظهم و نصائحهم، خاصّة بالنسبة لمثل تلك الأمم الضالّة و العاصية، و لهذا أكّد عليه هنا.
ثمّ يقول في عبارة قصيرة ذات معان عميقة فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ.
المخاطب في لفظة (فانظر) من الممكن أن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو أي شخص عاقل يقظ. و في الحقيقة إنّ هذه الآية المباركة تشير إلى نهاية أقوام سنستعرض أحوالها و أوضاعها بصورة مفصّلة في الآيات القادمة.
أمّا آخر آية في بحثنا فإنّها تستثني جماعة من العذاب الإلهي إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.
الملاحظ أنّ هذه الآية تشير إلى عاقبة هذه الأمم، و تدعو إلى التمعن في العذاب الأليم الذي ابتلوا به، و الذي أهلكهم و أبادهم جميعا ما عدا عباد اللّه المؤمنين و المخلصين الذين نجوا من هذا العذاب [١].
و جدير بالذكر أنّ كلمة (المخلصين)- بفتح اللام- كرّرت خمس مرّات، و هذا بيان لعلو منزلتهم و مرتبتهم، و كما أشرنا سابقا فإنّ عباد اللّه المخلصين هم الصفوة التي تسلّحت بالعلم و الإيمان، و انتصرت على النفس بعد مجاهدتها، و هم الذين أخلصهم اللّه لنفسه و أزال عنهم الشوائب ليجعلهم خالصين، و لهذا فإنّهم يمتلكون
[١]- هذه الجملة استثناء من محذوف يفهم من المذكور، تقديره هكذا: فانظر كيف كان عاقبة المنذرين فإنّا أهلكناهم جميعا إلّا عباد اللّه المخلصين.