الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٣ - التّفسير
و إرادة، و نعلم بأنّ أهمّ مسألة في حياة الإنسان هي التكلّم و الحديث الذي يهيّأ محتواه مسبقا في الذهن، ثمّ يصبّ في قالب من العبارات و يطلق باتّجاه الهدف كالرصاص المنطلق من فوهة البندقية، و هذا العمل لا يمكن حدوثه في أي كائن حي عدا الإنسان.
و بذلك فإنّ اللّه سبحانه و تعالى يجسّد قدرته في إعطاء هذا الماء المهين هذه القوّة العظيمة .. هذا من جانب.
و من جانب آخر فإنّ الإنسان مخلوق مغرور و كثير النسيان، فهو يستغلّ كلّ هذه النعم التي أولاها إيّاه ولي نعمته ضدّه في المجادلة و المخاصمة، فيا له من مغفّل أحمق!! و يكفي لمعرفة مدى غفلته و حمقه أنّه جاء: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ [١].
المقصود من ضرب المثل هنا، نفس المعنى بدون التشبيه و الكناية. فالمقصود هو الاستدلال و ذكر مصداق لإثبات مطلب معيّن. نعم فإنّ (أبيّ بن خلف أو اميّة بن خلف. أو العاص بن وائل) كان قد وجد قطعة متفسّخة من عظم لم يكن معلوما لمن؟ و هل مات موتا طبيعيا؟ أو في واحدة من حروب العصر الجاهلي المهولة؟
أو مات جوعا؟ و ظنّ أنّه وجد فيه دليلا قويّا لنفي المعاد! فحمل تلك القطعة من العظم و ذهب حانقا و فرحا في نفس الوقت و هو يقول: لأخصمن محمّدا.
فذهب إلى الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو في عجلة من أمره ليقول له: قل لي من ذا الذي يستطيع أن يلبس هذا العظم البالي لباس الحياة من جديد؟ و فتّ بيده قسما من العظم و ذرّه على الأرض، و اعتقد بأنّ الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سيتحيّر في الجواب و لا يملك ردّا!!
[١]- «رميم» من مادّة (رم) و هو إصلاح الشيء البالي، و «الرّمّة» تختص بالعظم البالي، و «الرّمّة» تختص بالحبل البالي، (مفردات الراغب مادّة (رم) صفحة ٢٠٣).