الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٦ - لماذا عبدتم الشيطان؟!
فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ.
و على كلّ حال، فظاهر الآية هو التمييز في العرض بين المجرمين و المؤمنين، و إن كان بعض المفسّرين قد احتمل احتمالات اخرى من جملتها: تفريق صفوف المجرمين أنفسهم إلى مجموعات فيما بينهم، أو انفصال المجرمين عن شفعائهم و معبوداتهم، أو انفصال المجرمين كلّ واحد عن الآخر، بحيث يكون ذلك العذاب الناتج عن الفراق مضافا على عذاب الحريق في جهنّم.
و لكن شمولية الخطاب لجميع المجرمين، و محتوى جملة «و امتازوا» تقوّي المعنى الأوّل الذي أشرنا إليه.
الآية التالية تشير إلى لوم اللّه تعالى و توبيخه المجرمين في يوم القيامة قائلا:
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
إنّ هذا العهد الإلهي أخذ على الإنسان من طرق مختلفة، و كرّر على مسمعه مرّات و مرّات: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [١] جرى هذا التحذير و بشكل متكرّر على لسان الأنبياء و الرسل: وَ لا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [٢].
و كذلك في الآية (١٦٨) من سورة البقرة نقرأ: وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
و من جانب آخر فإنّ هذا العهد أخذ على الإنسان في عالم التكوين، و بلسان إعطاء العقل له، إذ أنّ الدلائل العقلية تشير بشكل واضح إلى أنّ على الإنسان أن لا يطيع من تصدّى لعداوته منذ اليوم الأوّل و أخرجه من الجنّة، و أقسم على إغواء
[١]- الأعراف، ٢٧.
[٢]- الزخرف، ٦٢.