الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٦ - التّفسير
الشهر، و ذلك لأجل تكميل البحث السابق، فتقول الآية: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ.
المقصود ب (المنازل) تلك المستويات الثمانية و العشرون التي يطويها القمر قبل الدخول في «المحاق» و الظلام المطلق. لأنّ القمر يمكن رؤيته في السماء إلى اليوم الثامن و العشرين، و لكنّه يكون في ذلك اليوم هلالا ضعيفا مائلا لونه إلى الاصفرار، و يكون نوره قليلا و شعاعه ضعيفا جدّا، و في الليلتين الباقيتين من الثلاثين يوما تنعدم رؤيته تماما و يقال: إنّه في دور (المحاق)، ذلك إذا كان الشهر ثلاثين يوما، أمّا إذا كان تسعة و عشرين يوما، فإنّ نفس هذا الترتيب سيبدأ من الليلة السابعة و العشرين ليدخل بعدها القمر في (المحاق).
تلك المنازل محسوبة بدقّة كاملة، بحيث أنّ المنجّمين منذ مئات السنين يستطيعون أن يتوقّعوا تلك المنازل ضمن حساباتهم الدقيقة.
هذا النظام العجيب ينظّم حياة الإنسان من جهة، و من جهة اخرى فهو تقويم سماوي طبيعي لا يحتاج إلى تعلّم القراءة و الكتابة لمتابعته. بحيث أنّ أيّ إنسان يستطيع بقليل من الدقّة و الدراية في أوضاع القمر خلال الليالي المختلفة ..
يستطيع بنظرة واحدة أن يحدّد بدقّة أو بشكل تقريبي أيّة ليلة هو فيها.
ففي الليلة الاولى يظهر الهلال الضعيف و طرفاه إلى الأعلى، و يزداد حجمه ليلة بعد ليلة حتّى الليلة السابعة حيث تكتمل نصف دائرة القمر، ثمّ تستمر الزيادة حتّى تكتمل الدائرة الكاملة للقمر في الليلة الرابعة عشرة و يسمّى حينئذ «بدرا». ثمّ يبدأ بالتناقص تدريجيا حتّى الليلة الثامنة و العشرين حيث يصبح هلالا باهتا يشير طرفاه إلى الأسفل.
نعم، فإنّ النظم يشكّل أساس حياة الإنسان، و النظم بدون التعيين الدقيق للزمن ليس ممكنا، لذا فإنّ اللّه سبحانه و تعالى قد وضع لنا هذا التقويم الدقيق للشهور و السنين في كبد السماء.