موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - الفصل الاول البيئة العربية و الظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
أمّا أهل الكتاب منهم أعني اليهود و النصارى و من يلحق بهم (من المجوس و الصابئة) فقد كانت مجتمعاتهم تدار بالأهواء الاستبداديّة و التحكّمات الفرديّة من الملوك و الرؤساء و الحكّام و العمّال، فكانت مقتسمة طبعا إلى طبقتين: طبقة حاكمة فعّالة لما تشاء، تعبث بالنفس و العرض و المال و طبقة محكومة مستعبدة مستذلّة لا أمن لها في مال و لا عرض و لا نفس و لا حرّيّة و لا إرادة إلاّ ما وافق من يفوقها. و قد كانت الطبقة الحاكمة استمالت علماء الدين و حملة الشرع و ائتلفت بهم، و أخذت مجامع قلوب العامّة و أفكارهم بأيديهم، فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس و دنياهم، تحكم في دين الناس كيفما أرادت بلسان العلماء و أقلامهم، و في دنياهم بالسوط و السيف.
هذا و قد انقسمت الطبقة المحكومة أيضا حسب قوتها في السطوة و الثروة فيما بينهم، إلى طبقتي الأغنياء المترفين و الضعفاء و العجزة و العبيد، و إلى ربّ البيت و مربوبيه من النساء و الأولاد، و كذا إلى الرجال المالكين لحرّيّة الإرادة و العمل في جميع شئون الحياة و إلى النساء المحرومات من جميع ذلك و التابعات للرجال محضا و الخادمات لهم فيما أرادوه منهنّ من غير استقلال و لو يسيرا.
و مجمل هذه الحقيقة يظهر من قوله سبحانه: قُلْ يََا أَهْلَ اَلْكِتََابِ تَعََالَوْا إِلىََ كَلِمَةٍ سَوََاءٍ بَيْنَنََا وَ بَيْنَكُمْ أَلاََّ نَعْبُدَ إِلاَّ اَللََّهَ وَ لاََ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لاََ يَتَّخِذَ بَعْضُنََا بَعْضاً أَرْبََاباً مِنْ دُونِ اَللََّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنََّا مُسْلِمُونَ [١] و كذا قوله سبحانه: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ إِنََّا خَلَقْنََاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىََ
[١] آل عمران: ٦٤.