موسوعة التاريخ الاسلامي - اليوسفي، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٢ - الفصل الاول البيئة العربية و الظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
و أمّا وضع الحكومة بينهم: فأطراف الجزيرة و إن كانت ربّما ملك فيها ملوك تحت رعاية أقوى الجيران و أقربها كإيران لنواحي الشمال، و الروم لنواحي الغرب، و الحبشة لنواحي الجنوب، إلاّ أنّ قرى الأوساط كمكّة و يثرب و الطائف و غيرها كانت تعيش في وضع أشبه بالجمهوريّة و ليس بها، و العشائر في البدو بل حتّى في داخل القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها و شيوخها، و ربّما تبدّل الوضع بالسلطنة.
و هذا هو الهرج (الفوضى) العجيب الذي كان يبرز في كلّ عدّة معدودة منهم بلون، و يظهر في كلّ ناحية من أرض شبه الجزيرة بشكل مع الرسوم العجيبة و الاعتقادات الخرافيّة الدائرة بينهم. أضف إلى ذلك بلاء الاميّة و فقدان التعليم و التعلّم في بلادهم فضلا عن العشائر و القبائل.
و كلّ هذا الذي ذكرناه من أحوالهم و أعمالهم و العادات و المراسيم الدائرة بينهم هو ممّا يستفاد من سياق الآيات القرآنيّة و الخطابات التي تخاطبهم بها، أوضح إفادة، فتدبّر في المقاصد التي ترومها الآيات و البيانات التي تلقيها إليهم بمكّة أوّلا، ثمّ بعد ظهور الإسلام و قوّته بالمدينة ثانيا، و في الأوصاف التي تصفهم بها، و الامور التي تذمّها منهم و تلومهم عليها، و النواهي المتوجّهة إليهم في شدّتها و ضعفها... إذا تأمّلت كلّ ذلك تجد صحّة ما ذكرناه. و التأريخ كذلك يذكر كلّ ذلك و يعرض من تفاصيله ما لم نذكره، لإجمال الآيات الكريمة و إيجازها القول فيه. و أوجز كلمة و أوفاها لإفادة مجمل هذه المعاني ما سمّى القرآن به هذا العهد «الجاهليّة» فقد أجمل في معناها كلّ هذه التفاصيل. هذا حال عالم العرب ذلك اليوم.
و أمّا العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الفرس و الروم و الحبشة و الهند و غيرهم، فالقرآن يجمل القول فيه أيضا. غ