التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٩ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
عامّة، وأمرٍ حَتْمٍ لا تردُّدَ فيه.
فدلّت هذه الآيات على التحدّي، مرّةً بالقرآن كلّه، ومرّةً بعشر سُوَر، ومرّة بسورة واحدة، وهذا هو النهاية في بلوغ التحدّي، وهذا كقول الرجل لغيره: هاتِ قوما مثل قومي، هاتِ كنِصفهم، هاتِ كَرُبْعهم، هَاتِ كواحدٍ منهم.
وإنّما قلنا: إنّهم عجزوا عن معارضته لأنّ دواعيهم متوفّرةٌ على الإتيان بها، لأنّه عليه السلام كلّف العرب تَرْكَ أديانهم، وحَطّ رئاستهم، وأوْجَب عليهم ما يُتْعِبُ أبدانهم، ويَنْقُصُ أموالَهم، وطالبَهُم بعداوة أصدقائهم، وصَداقَةِ أعدائهم، وخلع الأنداد والأصنام من بين أظهرهم، وكانت أحبَّ إليهم من أنفسهم، من أجل الدين، ولا شك أنَّ كلّ واحدٍ من هذه الأُمور ممّا يَشُقُّ على القلوب تحمّلهُ ولا سيّما على العرب مع كثرة حميّتِهِم وعظيم أنفَتِهِمْ، ولا شكّ أنّ الإنسان إذا استنْزَلَ غيره عن رئاسته ودعاه إلى طاعته، فإنّ ذلك الغير يُحاولُ إبطال أمره بكلّ ما يَقْدر عليه ويجدُ إليه سبيلا.
ولمّا كانت معارضة القرآن بتقدير وقوعها مُبْطلةً لأمر الرسول صلى الله عليه و آله علمنا لا محالة قطعا توفّرَ دواعي العرب عليها، وإنّما قلنا: إنّه ما كان لهم مانعٌ عنها لأنّه صلى الله عليه و آله ما كان في أوّل أمره بحيث تَخاف قهره كلُّ العرب، بل هو الذي كان خائفا منهم، وإنّما قلنا: إنّهم لم يُعارضوه لأنّهم لو أتوا بالمعارضة لكان اشتهارُها أحقّ من اشتهار القرآن لأنّ القرآن حينئذ يصير كالشبهة وتلك المعارضة كالحجّة، لأنّها هي المبطلة لأمره، ومتى كان الأمر كما قلناه وكانت الدواعي متوفّرةً على إبطال ابَّهَةَ المدّعى وإبطال رونقه، وإزالة بهائه، كان اشتهارُ المعارضة أولى من اشتهار الأصل، فلمّا لم تكن مشتهرة علمْنا لا محالَةَ بُطلانها، وأنّها ما كانت، وإنّما قلنا: إنّ كلّ من توفّرتْ دواعيه إلى الشيء ولم يُوجَدْ مانع منه، ثمّ لم يتمكّن من فعله، فإنّه يكون عاجزا، لأنّه لامعنى للعجز إلّا ذاك، وبهذا الطريق نَعْرِف عجْزَنا عن كلّ مانعْجزُ عنه كخلق الصور والصفات، ويؤيّد ما ذكرناه من عجزهم ويوضّحه، أنّهم عدلوا عن المعارضة إلى تعريض النفس للقتل، مع أنّ المعارَضةَ عليهم كانت أسهل وما ذاك إلّا لمّا أحسُّوا به من العجز من أنفسهم عنها، فثبت بما ذكرناه كونُ