التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٨ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
المعنويّة، واللطائف البيانيّة من البديع وغيره، إنّما كانت وُصْلَةً وَذَريعَةً إلى بيان السِّرِّ واللباب، والغرض المقصودُ عند ذوي الألباب، إنّما هو بيان لطائف الإعجاز، وإدراكُ دقائقه، واستنهاضُ عجائبه، فكيف ساغَ لهم تركها وأعرضوا عن ذكرها، وذكروا في آخر مصنّفاتهم ما هو بمعزل عنها، كذكر مخارج الحُروف وغيرها ممّا ليس مُهِمّا، وإنّما المُهِمّ ما ذكرناه، ثمّ لو عَذَرْنا مَن كان منهم ليس له حظّ في المباحث الكلاميّة، ولا كانت له قدَمٌ راسخة في العلوم الإلهية، وهم الأكثرُ منهم كالسّكاكي، وابن الأثير، وصاحب التبيان، وغيرهم ممّن برَّز في علوم البيان، وصَبَغ بها يَدَه، وبلغ فيها جَدَّه وجَهْده، فما بال مَن كان له فيها اليد الطولى، كابن الخطيب الرازي فإنّه أعرض عن ذلك في كتابه المصنّف في علم البيان فإنّه لم يتعرّض لهذه المباحث، ولا شمّ منها رائحة، ولكنّه ذكر في صدر كتاب النهاية كلاما قليلًا في وجه الإعجاز لايَنقعُ من غُلّة، ولا ينفع من علّة، فإذا تمهّد هذا فاعلم أنّ الذي يدلّ على إعجاز القرآن مسلكان:
المسلك الأوّل منهما: من جهة التحدّي، وتقريرُه هو أنّه عليه السلام تحدّى به العرب الذين هُم النهاية في الفصاحة والبلاغة، والغايةُ في الطلاقة والذّلاقَة، وهم قد عجزوا عن معارضته، وكلّما كان الأمر فيه كما ذكرناه فهو مُعْجِزٌ، وإنّما قلنا: إنّه عليه السلام تَحَدّاهمْ بالقرآن لما تَواتَرَ من النقل بذلك في القرآن، وقد نزَّلهم اللّه في التّحدّي على ثلاث مراتب:
الأُولى: بالقرآن كلّه، فقال تعالى: «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».[١]
الثانية: بعشْر سُوَرٍ منه كما قال تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ».[٢]
الثالثة: بُسورةٍ واحدةٍ كما قال تعالى: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ» ثمّ قال بعد ذلك «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا»[٣] فنفى القدرة لهم على ذلك بقضية
[١] - الإسراء ٨٨: ١٧.
[٢] - هود ١٣: ١١.
[٣] - البقرة ٢٣: ٢- ٢٤.