التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٠ - ١٢ - تحقيق الأمير العلوي
القرآن معجزا، وتمام تقرير هذه الدلالة بإيراد الأسئلة الواردة عليها والانفصال عنها ...
ثمّ جعل يورد أسئلة ثمانية للملاحدة حاولوا فيها إخفاء وجه الإعجاز في القرآن.
وأجاب عن كلّ واحدة منها إجابة وافية على اسلوب منهجي رتيب، أبدى خلالها جوانب لامعة من إعجاز القرآن، قد أجّلناها إلى بحث الدلائل على الإعجاز، فانتظر.
المسلك الثاني: في الدلالة على أنّ القرآن معجز من جهة العادة وتقريرُه أنّ الإتيان بمثل كلّ واحدة من سور القرآن، لا يخْلُو حالُه إمّا أن يكون معتادا، أو غير معتاد، فإنْ كان معتادا كان سكوتُ العرب مع فصاحتهم وشدّة عداوتهم للرسول صلى الله عليه و آله ومع توفّر دواعيهم على إبطال أمره، والقدْح في دعواه بمبلَغ جَهْدهم وجدّهم، يكون لا محالةَ من أَبْهَرِ المعجزات، وأظهر البيّنات على عجزهم عن الإتيان بمثل سورة منه.
وأمّا إن لم يكن معتادا، كان القرآن مُعْجزا، لخروجه عن المألوف والمعتاد، فثبت بما ذكرناه أنّ القرآن سواء كان خارقا للعادة أو لم يكن خارقا، فإنّه يكون مُعْجزا، وهذه نكتة شريفةٌ حاسِمةٌ لأكثر أسئلة المنكرين التي يوردونها على كونه خارقا للعادة كماترى.
الفصل الثالث: في بيان الوجه في إعجاز القرآن
اعلم أنّ الكلام في الوجه الذي لأجله كان القرآن معجزا دقيقٌ، ومن ثمّ كثرت فيه الأقاويلُ واضطربت فيه المذاهب، وتفرّقوا على أنحاءٍ كثيرة، فنلذكّر ضبط المذاهب، ثمّ نُرْدفه بذكر ما تحتمله من الفساد، ثمّ نذكر على أثَرِهِ المختارَ منها، فهذه مباحث ثلاثة:
المبحث الأوّل: في الإشارة إلى ضبط المذاهب في وجه الإعجاز فنقول: كون القرآن معجزا ليس يخلو الحال فيه إمّا أن يكون لكونه فعلًا من المعتاد، أو لكونه فعلًا لغير المعتاد، فالأوّل هو القول بالصِّرفَةِ، ومعنى ذلك أنّ اللّه تعالى صَرَف دواعيهم عن معارضة القرآن مع كونهم قادرين عليها، فالإعجازُ في الحقيقة إنّما هو بالصّرفة على قول هؤلاء، كما سنحقّق خلافهم في الردّ عليهم بمعونة اللّه تعالى، ونذكر من قال بهذه المقالة، وإن كان الوجه في إعجازه هو الفعل لغير المعتاد، فهو قسمان:
القسم الأوّل: أن يكون لأمر عائد إلى ألفاظه من غير دلالتها على المعاني، ثمّ هذا