التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٢ - مقارنة عابرة
|
يخرجن من شربات ماؤُها طحلٌ |
على الجذوع يَخَفْنَ الغمر والغرقا[١] |
|
إذ لاتخاف الضفدعة من الغرق مهما كان غمر الماء! فقد غلط في هذا التوصيف ...
واعتذر عنه بأنّه لم يرد خوف الغرق على الحقيقة، ولكنّها عادة من هرب من الحيوان من الماء، فكأنّه مبالغة في التشبيه، كما قال تعالى:
«وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ».[٢]
وقال: «وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ».[٣]
والقول فيهما محمول على «كاد». هكذا ذكر الحُذّاق من المفسّرين. مع أنّا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لاتقربها دابّة، خوفا على نفسها من الهلكة، فكأنّه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات ...[٤]
قلت: فعلى هذا كان كلامه وصفا للماء لاللضفادع، وعلى أيّ حال فإنّ استهداف هكذا أهداف حقيرة وهابطة كانت حصيلة تضايق آفاق الحياة العربيّة حينذاك، وأين ذلك من سعة آفاق مطالب القرآن ومقاصده العليّة في أوصافه وتشبيهاته و تمثيلاته. وهل تناسبٌ بين قول زهير في هذا البيت، والآيتين الكريمتين؟!! وإنّما يتفاخم الكلام ويتصاغر، بضخم موضوعه وصغره، وعلوّ مقصوده وسفله. الأمر الذي نجده فرقا بيّنا بين مقصود الآيتين ومقصود زهير في البيت، بل بين القرآن كلّه وأشعار العرب الجاهلي كلّها!
قال الأصمعي: وأخطأ زهير في قوله- في ذمّ الحرب والقتال-:
|
فتنتج لكم غلمان أشأم كلُّهم |
كأحمر عاد، ثمّ ترضع فتفطم[٥] |
|
حيث شبّه الغلمان المشائيم بعاقر ناقة صالح، الموصوف بالأحمر، واسمه قدار. لكن
[١] - شربات: موضع قرب مكة. طحل الماء: فسد. والجذع: ساق النخلة. الغمر: الماء الكثير، وغمره الماء غمرا: علاه وغطّاه.
[٢] - إبراهيم ٤٦: ١٤.
[٣] - الأحزاب ١٠: ٣٣.
[٤] - العمدة، ج ٢، ص ٢٥١.
[٥] - أشام: مبالغة المشؤوم. وأراد بأحمر عاد: أحمر ثمود، وهو عاقر الناقة، واسمه قداربن سالف يقول: فتولد لكم أبناء في أثناء تلك الحروب كلّ واحد منهم يضاهي في الشؤم عاقر الناقة ...