التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٩ - مقارنة عابرة
|
كأنّ شقائق النعمان فيه |
ثياب قد روين من الدماء |
|
فهذا وإن كان تشبيها مصيبا، فإنّ فيه بشاعة ذكر الدماء، ولوقال من العصفر[١] مثلًا أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الانس.
وكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع[٢] وماجرى هذا المجرى من التشبيه فإنّه وإن كان مصيبا لعين الشبه فإنّه غير طيّب في النفس، ولامستقرّ على القلب، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب:
|
تلاعبها كفّ المزاج محبّة |
لها، وليجري ذات بينهما الأُنس |
|
|
فتزبد من تيه عليها كأنّها |
غريرة خِدر قد تخبّطها المسّ[٣] |
|
فلو أنّ في هذا كلّ بديع لكان مقيتا بشعا، ومن ذا يطيب له أن يشرب شيئا يشبَّه بزبد المصروع وقد تخبّطه الشيطان من المسّ ...
قال: وكأنّي أرى بعض من لايحسن إلّا الاعتراض بلاحجّة، قد نعى عليّ هذا المذهب، وقال: ردّ على امرئ القيس، ولم أفعل، ولكنّي بيّنت أنّ طريق العرب القدماء في كثير من الشعر قد خولفت إلى ماهو أليق بالوقت وأشكل بأهله ...
وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة:
|
نظرت إليك بحاجة لم تقضها |
نظر السقيم إلى وجوه العوّد[٤] |
|
على أنّه تشبيه لايلحق، ولايشقّ غبار صاحبه. ولم يجد فيه المطعن إلّا بذكر السقيم، فإنّه رغب عن تشبيه المحبوبة به، وفضّل عليه قول عدي بن الرقاع العاملي:
|
وكأنّها وسط النساء أعارها |
عينيه أحورُ من جآذر جاسم[٥] |
|
[١] - العصفر- كقنفذ- صبغ أصفر اللون.
[٢] - الشجاع- مثلّث الشين-: ضرب من الحيّات. وسلخها: كشط جلدها.
[٣] - الغرير والغريرة: الشابّ والشابة في مطلع شبابهما لاتجربة لهما في الحياة.
[٤] - العود: جمع العائدة التي تعود المريض المترقّب لها.
[٥] - الجآذر: جمع الجوذر، ولد البقرة الوحشيّة.