التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٣ - آية القصاص
يقدحون أفهامهم فيما يظهر لهم من ذلك، كما قال ابن الأثير. نذكر منها:
١- في الآية إيجاز قصر، من غير حاجة إلى تقدير. أمّا قولتهم فبحاجة إلى تقدير «من» لمكان أفعل التفضيل. و بذلك جاء الإبهام في قولتهم، لأنّه يسأل:
من أيّ شيء؟ فإن قدّر العموم فلعلّه غير مطّرد بالنسبة إلى جميع الموارد و جميع أفراد الناس.
٢- ثم الذي ينفي القتل و يوجب الحياة هي شريعة القصاص، و هو قتل بإزاء قتل خاصّ دون مطلق القتل، إذ ربّ قتلة أوجبت قتلات، كما في حرب البسوس طالت أربعين سنة.
٣- في الآية طباق، جمعا بين ضدّين: القصاص- و فيه إشعار بقتل- و الحياة. و أيضا فيها بداعة، الضدّ أوجب ضدّه. و لا سيّما في تعريف القصاص و تنكير الحياة، و فيه غرابة فائقة.
٤- قال الزمخشري: و من إصابة محزّ البلاغة، بتعريف القصاص و تنكير الحياة، لأنّ المعنى: و لكم في هذا الجنس من الحكم- الذي هو شريعة القصاص- حياة عظيمة. و ذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة. و كم قتل مهلهل بأخيه كليب، حتّى كاد يفني بكر بن وائل. و لقد كانوا يقتلون بالمقتول غير قاتله. و هذه العادة جارية بين العرب حتّى الآن[١]. فتثور الفتنة و يقع بينهم التناحر. ففي شرع القصاص- و هو قتل القاتل المعتدي- حياة أيّة حياة[٢].
٥- و أمّا قولة العرب، ففيها تناقض ظاهر، إذ الشيء لا ينفي نفسه، فكيف القتل ينفي القتل؟ و أيضا فيها تكرار، و تقدير، و تهويل بسبب تكرار لفظ القتل المؤذن بالوحشة.
[١] و نحن في مطلع القرن الخامس عشر للهجرة.
[٢] راجع الكشاف: ج ١ ص ٢٢٢- ٢٢٣.