التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٦ - دقيقة
أنيقا، ثم بعد ذلك التأليف، تارة تجعل تاجا على الرأس، و مرّة طوقا في العنق، و مرّة بمنزلة القرط في الأذن. فالألفاظ الرائقة بمنزلة الدّرر و اللئالئ، و هو علم المعاني، و تأليفها و ضمّ بعضها إلى بعض، هو علم البيان، ثم وضعها في المواضع اللائقة بها عند تأليفها و تركيبها، هو علم البديع. فوضع التاج على الرأس بعد إحكام تأليفه هو وضع له في موضعه، و لو وضع في اليد أو الرجل لم يكن موضعا له، و هكذا الكلام بعد إحكام تأليفه يقصد به مواضعه اللائقة به، و ما ذكرناه من المثال هو أقرب ما يكون في هذه العلوم الثلاثة و تمييز مواقعها.
فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ الآية قد اشتملت من علم البديع على أجناس ثلاثة.
الجنس الأول منها: الجناس اللاحق، و هو أن تتفق الكلمتان في جميع حروفهما إلّا في حرفين لا تقارب بينهما، و هذا هو قوله تعالى وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي فقوله ابلعي و أقلعي، جناس لا حق، لا يختلفان إلّا في القاف و الباء، و هما غير متقاربين، و كقولك سعيد بعيد، و عابد عاتب، فهذا كلّه يقال له جناس لاحق.
الجنس الثاني: الطباق المعنوي، و هو قوله «أقلعي و ابلعي» لأنّ المعنى في بلع الأرض إنما هو إدخاله في جوفها، و إقلاع السماء هو إخراجه عنها. و هذا تطبيق من جهة المعنى، من جهة أنّ الإدخال و الإخراج ضدّان، و هذا كقوله تعالى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ لأنّ الرحمة هي لين القلوب و تعطّفها، و هو ضدّ الشدّة.
الجنس الثالث: الاستطراد، و هو توسيط كلام أجنبي بين كلامين متماثلين، و هذا قوله تعالى بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فإنه وسّطه بين قصّة نوح و إغراق قومه و حالة السفينة، ثم رجع إلى حال القوم، و ما هذا حاله فإنه يكون من الاستطراد الحسن و أعجب شأن التنزيل، فما أغزر أسراره، و أكثر عجائبه،