التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - البحث الخامس
عن العنجهانية، تشبه العسل في الحلاوة، و الماء في الرقة و السلاسة، و كالنسيم في السهولة، لا تنبو عن قبولها الأذهان، و لا تمجّها الآذان.
البحث الرابع:
في بيان موقعها من الفصاحة المعنوية. اعلم أنّ الفصاحة المعنوية هي غاية علم المعاني، و الفصاحة المعنوية المراد بها البلاغة، و هي من عوارض المعاني، و هي متضمّنة للفصاحة اللفظية، و لهذا فإنّ الكلام البليغ لا يكون بليغا إلّا مع إحرازه للفصاحة، فهي في الحقيقة راجعة إلى المعنى و اللفظ جميعا، و لها طرفان:
أعلى، و هو ما يبلغ به الكلام حدّ الإعجاز، و أدنى، و هو الذي يقدّر فيه أنه اذا ازيل عن نظامه الذي الف عليه التحق بالكلام الركيك، فلم تخف عليك غثاثته، و بين هذين الطرفين مزايا و مراتب و درجات متفاوتة.
فإذا عرفت هذا و فكّرت في نظام هذه الآية، وجدتها قد ألّفت على أتمّ تأليف، و أدّيت على أعجب نظام، ملخّصة معانيها، مرصوفة مبانيها، لا يعثر اللسان في ألفاظها، و لا يغمض على الفكر طلب المراد منها، فاذا خرقت قراطيس الأسماع وجدتها تسابق معانيها ألفاظها، و ألفاظها معانيها، لا تحتاج لوضوحها الى ترجمان، و لا يملّ سامعها و إن تكرّرت في كل ساعة و أوان، فهذا ما سنح لي في هذه الآية من علوم الفصاحة، و البلاغة، و العلوم المعنوية، و العلوم البيانية.
البحث الخامس:
في بيان موقعها من علم البديع. اعلم أنّ البديع لقب في هذه الصناعة تعرف به وجوه تحسين الكلام بعد إحرازه لمعاني البلاغة و أنواع الفصاحة، و وضوح دلالته، و جودة مطابقته، ثم إنه على رشاقته ضربان: لفظيّ، و معنويّ.