التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨٩ - النظر الأول
(يا أرضي) إيثارا لتحقيرها، لأنه لو أضافها إلى نفسه لكان قد أقام لها وزنا عنده بإضافتها إليه، لأنّ المضاف أبدا يكتسي من المضاف إليه شرفا و تخصيصا و تعريفا، و لم يقل (يا أيّتها الأرض) إيثارا للاختصار و عملا على الإيجاز و تحرّزا عن الإيقاظ بما يظهر من لفظ التنبيه الذي لا يليق بمقام الخطاب الإلهيّ، لاستحالته فيه.
و اختير لفظ الأرض لأمرين، أمّا أوّلا فلأنّ المدحوّة و المبسوطة و المهاد و غير ذلك ممّا يستعمل في الأرض صفات زائدة تابعة للفظ الأرض. و أمّا ثانيا فلأنّ لفظ الأرض أخفّ و أكثر دورا و استعمالا ممّا ذكرناه، فلهذا وجب إيثاره على غيره من أسمائها.
و اختير لفظ «ابلعي» و لم يقل (ابتلعي) لأمرين، أمّا أوّلا فلأنّ «ابلعي» أخفّ وزنا و أسهل على اللسان من (ابتلعي). و أمّا ثانيا فلأنّ في الابتلاع نوع اعتمال في الفعل و تصرّف فيه يؤذن بالمشقّة، بخلاف قوله «ابلعي» فإنه دالّ على السهولة، فيكون فيه دلالة على باهر القدرة، حيث أمرت بالبلع لهذا الأمر الهائل من الماء، بحيث لا يمكن تصوّره على أسهل حالة.
و إنما اختير إفراد الماء دون جمعه لأمرين، أمّا أوّلا فلأنّ في الجمع نوع تكثير، فلا يليق ذكره بمقام الكبرياء و إظهار العظمة. و أمّا ثانيا فلأنّ في الإفراد نوع تحقير و ذلّة، و هو لائق بمقام القهر و الاستيلاء في الملكة، و هذا هو الوجه في إفراد السماء و الأرض، و إنّما ذكر مفعول «ابلعي» لأنه لو اقتصر على ذكر البلع لدخل فيه ما ليس مرادا من بلع الجبال و البحار، و أنواع الأشجار و السفينة و من فيها، نظرا إلى عموم الأمر الذي لا يخالف و لا يردّ عن مجراه، لأنّ المقام مقام عظمة و كبرياء، و قول ابن عباس في قوله تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ إنه لو لم يقل «و سلاما» لم ينتفع بالنار، لشدّة بردها، يشير به إلى ما ذكرناه من مضا الأمر و نفوذه.