التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨١ - أعجب آية باهرة
الاختصار و الاستغناء بحرف التعريف عن ذلك.
و لم يقل «سوّيت على الجودي» بمعنى أقرّت على نحو «قيل» و «غيض» و «قضي» في البناء للمفعول، اعتبارا لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله «و هي تجري بهم في موج» مع قصد الاختصار في اللفظ.
ثم قيل «بعدا للقوم» دون أن يقال «ليبعد القوم» طلبا للتأكيد مع الاختصار، و هو نزول «بعدا» منزلة «ليبعدوا بعدا» مع فائدة اخرى، و هي استعمال اللام مع «بعدا» الدالّ على معنى أنّ البعد حقّ لهم.
ثم اطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم، لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل.
هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم.
و أمّا من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذاك أنه قد قدّم النداء على الأمر، فقيل «يا أرض ابلعي» و «يا سماء أقلعي» دون أن يقال «ابلعي يا أرض» و «أقلعي يا سماء» جريا على مقتضى اللازم فيمن كان مأمورا حقيقة، من تقديم التنبيه، ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى، قصدا بذلك لمعنى الترشيح.
ثم قدّم أمر الأرض على أمر السماء و ابتدئ به لابتداء الطوفان منها و نزولها لذلك في القصّة منزلة الأصل، و الأصل بالتقديم أولى.
ثم أتبعهما قوله «و غيض الماء» لاتّصاله بقصّة الماء و أخذه بحجزتها. أ لا ترى أصل الكلام (قيل يا أرض ابلعي ماءك- فبلعت ماءها- و يا سماء أقلعي- عن إرسال الماء فأقلعت عن ارساله- و غيض الماء- النازل من السماء فغاض.
ثم أتبعه ما هو المقصود من القصّة، و هو قوله «و قضي الأمر» أي انجز الموعود من إهلاك الكفرة، و إنجاء نوح و من معه في السفينة. ثم أتبعه حديث السفينة، و هو قوله «وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ». ثم ختمت القصّة بما ختمت.