التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٩ - أعجب آية باهرة
الأرض بالماء في الإنبات للزروع و الأشجار، تقوّي الآكل للطعام. و جعل قرينة الاستعارة لفظة «ابلعي» لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثم أمر- على سبيل الاستعارة للشبه المقدّم ذكره- و خاطب في الأمر ترشيحا لاستعارة النداء. ثم قال: «ماءك» بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيها لاتّصال الماء بالأرض باتّصال الملك بالمالك. و اختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح.
ثم اختار لاحتباس المطر «الإقلاع» الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان. ثم أمر على سبيل الاستعارة و خاطب في الأمر قائلا «أقلعي» لمثل ما تقدّم في «ابلعي».
ثم قال: «و غيض الماء و قضي الأمر و استوت على الجوديّ و قيل بعدا ...» فلم يصرّح بمن غاض الماء، و لا بمن قضى الأمر، و سوّى السفينة، و قال بعدا، كما لم يصرّح بقائل «يا أرض» و «يا سماء» في صدر الآية، سلوكا في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية.
إنّ تلك الامور العظام لا تتأتى إلّا من ذي قدرة يكتنه قهّار لا يغالب. فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره- جلّت عظمته- قائل «يا أرض و يا سماء» و لا غائض مثل ما غاض، و لا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل. أو أن تكون تسوية السفينة و إقرارها بتسوية غيره و إقراره.
ثم ختم الكلام بالتعريض، تنبيها لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل، ظلما لأنفسهم لا غير، ختم إظهار لمكان السخط، و لجهة استحقاقهم إيّاه، و أن قيمة الطوفان[١] و تلك الصورة الهائلة ما كانت إلّا لظلمهم.
[١] القيمة- بالكسر- النوع من قام، أي بذلك النوع الهائل من قيام الطوفان