التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢٧
ميادينه مداهم.
انظر إلى العليم الحكيم كيف حذا ثلاث الآيات على عدد المسلّيات، من إجلال محلّ رسول اللّه و إعلاء كعبه، و إعطائه أقصى ما يؤمّله عند ربّه[١]، و من الإيعاز إليه أن يقبل على شأنه من أداء العبادة بالإخلاص[٢]، و أن لا يحفل بما ورد عليه من ناحية العاص، و لا يحيد عن التفويض إليه محيدا، فلا يذره وائبا وحيدا، و من الغضب له بما فيه مسلاته من الكرب، من إلصاق عار البتر بالكلب[٣]، و الإشعار بأن كان عدوّ اللّه بورا، و لم يكن إلّا هو صنبورا[٤].
ثمّ انظر كيف نظّمت النظم الأنيق، و رتّبت الترتيب الرشيق، حيث قدّم منها ما يدفع الدعوى و يرفعها، و ما يقطع الشبهة و يقلعها، ثمّ لما يجب أن يكون عنه مسبّبا، و عليه مترتّبا، ثمّ ما هو تتمّة الغرض من وقوع العدوّ في مغوّاته[٥] التي حفر، و صليه بحرّ ناره التي سعر، و من الشهادة على إلصاقه بالسليم عيبه، و توريكه على البري ذنبه[٦].
و تأمّل كيف أنّ من اسند إليه إسداء هذه العطيّة، و ايتاء هذه الموهبة السنيّة، هو ملك السماوات و الأرض، و مالك البسط و القبض، و كيف وسّع العطيّة و كثّرها، و أسبغها و وفّرها، فدلّ بذلك على عظم طرفي المعطى، و على جلال جنبي المسدي و المسدى، و قد علم أنّه إذا كان المعطي كبيرا، [كان] العطاء كثيرا، فيا لها من نعمة مدلول على كمالها، مشهود بجلالها.
[١] إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
[٢] إشارة إلى قوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ.
[٣] إشارة إلى قوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
[٤] أي أبتر لا عقب له.
[٥] مغواة: حفرة كالزبية تحفر للذئب، و يجعل فيها جدي إذا نظر إليه سقط عليه يريده، و منه قيل لكلّ مهلكة مغواة.
[٦] ورك عليه ذنبه: حمله عليه.