التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢١
و يتعادون من له في ميدان البلاغة الخطى الفسحى، و يتذاكرون الكلمات التي تزيغ فيها الحاضرة[١] عن السنن، و لا ينقحونها من العجر[٢] و الابن[٣]، كأنّ أفواههم للحكمة ينابيع، و هم على ذلك مطابيع.
هذا، و لمّا سمعت العرب القرآن المجيد ملأت الروعة قلوبهم و ملكت نفوسهم، و هزّ الاستعجاب مناكبهم، و أنغض رءوسهم، و بقي أذلقهم لسانا، و أعرقهم بيانا، كالمحجوج إذا أبكتته الحجّة، فأخذته الرجّة، و كالياسر إذا أصبح مقمورا مقهورا، فقعد مبهوتا مبهورا، و كالصريع إذا عنّ له من لا يبالي بصراعه، و كالمرتبع[٤] إذا غلبه من لا يلتفت إلى ارتباعه، و لقد قابلوه بأفصح كلامهم، فقال منصفوهم: جرى الوادي فطمّ على القريّ[٥]، و من يعبأ بالعباء مع الوشيّ العبقري[٦].
و قال الوليد بن المغيرة المخزوميّ[٧]: و اللّه لقد نظرت فيما قال هذا الرجل،
[١] أي أهل الحضر لأنّهم مظنّة اللحن.
[٢] العجر: جمع عجرة، و هي العقدة في عود و غيره، و يقال: في كلامه عجرفية و تعجرف أي جفوة.
[٣] الابن: العقد تكون التي في القسى تفسدها و تعاب بها.
[٤] ربع الحجر و ارتباعه إشالته و رفعه لإظهار القوة.
[٥] مثل سائر، معناه: جرى سيل الوادي فطمّ أي: دفن، يقال: طمّ السيل الركية أي: دفنها، و القريّ:
مجرى الماء في الروضة، و الجمع أقرية و قريان و« على» من صلة المعنى أي: أتى على القريّ، يعني أهلكه بأن دفنه، انظر« مجمع الأمثال ١: ١٥٩/ ٨٢٣».
[٦] الوشيّ: من الثياب معروف. و العبقريّ: الديباج.
[٧] الوليد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم، أبو عبد شمس، من قضاة العرب في الجاهلية، و من زعماء قريش، و من زنادقتها، أدرك الإسلام و هو شيخ هرم فعاداه و قاوم دعوته، ذكره ابن الأثير في الكامل تحت عنوان: ذكر المستهزئين و من كان أشدّ الأذى للنبي صلّى اللّه عليه و آله، و هو والد خالد بن الوليد، هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر و هو ابن خمس و تسعين سنة، و دفن بالحجون، انظر« الكامل في التاريخ ٢: ٧١، الأعلام ٨: ١٢٢».