التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١٨
لفرسي مجالا، و لأصبت فيه وجها من الاحتجاج، و ردّا للشغب و اللجاج، فإنّ هذه الأشياء لا تجمل و لا تجزل، و لا تنبل و لا تفحل، و لا تحسن و لا تبهى، و لا تختال و لا تزهى، إلّا واقعة في هذا اللسان، دائرة بين أظهر هذا البيان، و مثل ذلك مثل الوشي الفاخر، و الحليّ من سريّ الجواهر، تلبسها الحسناء فتزيدها حسنا إلى حسن، و تعطيها زينا إلى زين، فإن نقلتها إلى الشوهاء تخاذل أمرها و تضادّ، و تناقض و ترادّ، و عصف بنصف حسنها و زينها، ما تطلعه الشوهاء من قبحها و شينها، و كفاك بما عددت عليك أدلّة متقبّلة، و شهودا معدلة، على أنّ هذا اللسان هو الفائز بالفصل، الحائز للخصل[١]، و أنّ ما عداه شبه[٢] إلى العسجد، و شبّ[٣] إلى زبرجد.
ثمّ اسمع بفضلك، فقد آن أن أفذلك[٤]، و أختم هذا الفصل بما يحلق الحلاقم[٥] و يجزّ الغلاصم[٦]، و هو أنّ اللّه تعالى ادّخر لمحمد عليه صلاته و سلامه كل فضيلة، و زوى عنه كل رذيلة، و اختصّه بكل توقير و بعّد حاله من كل تحقير، و اختار له كل ما يقع عليه الاختيار، و خوّله ما يطول به الافتخار، فجعل ذاته خيرة الإنس، و صفوة الأنبياء، و سيّد الأموات و الأحياء، و الامّة التي انتضاه منها خير امّة، و الأئمة الذين استخلفهم بعده خير أئمة، و كتابه الذي
[١] يقال: أصاب خصله و أحرز خصله: غلب على الرهان، و قال بعضهم: الخصلة: الإصابة في الرمي.
[٢] الشبه و الشبه: النحاس الأصفر.
[٣] الشبّ: حجر معروف يشبه الزاج، و قد يدبغ به الجلود.
[٤] يقال: فذلك حسابه: أنهاه و فرغ منه.
[٥] الحلقوم: الحلق، و قال الزجّاج: الحلقوم بعد الفم و هو موضع النفس و فيه شعب تتشعب منه، و هو مجرى الطعام و الشراب.
[٦] الغلصمة: رأس الحلقوم بشواربه و حرقدته، و هو الموضع الناتئ في الحلق، و الجمع: الغلاصم، و قيل:
الغلصمة: اللحم الذي بين الرأس و العنق. و قيل: متّصل الحلقوم بالحلق إذا ازدرد الآكل لقمته فزلّت عن الحلقوم، و قيل: هي العجرة التي على ملتقى اللهاة و المري.