التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١٥
بها الآذان فتهوي بها مغذّات[١]، و ما طنّت على مسامع أحد من أجيال الأعاجم، و أخياف الطماطم[٢] إلّا أصغى إليها متوجّسا، و أصاخ لها مستأنسا، و أناس[٣] فوديه[٤] مستعجبا، و أمال عطفيه مستغربا، و قال: ما هذا اللسان المستلذّ على الصماخ[٥] إيقاعه، المحلولي في مخارق الآذان استماعه، المفارق لجميع اللغات و الألسنة، المصون من الحروف الملكنة.
و ما ذاك إلّا لأنّ حكم المسموعات حكم المبصرات و الممسوسات، و غيرها من سائر المحسوسات، فكما أنّ الأعين فارقة بين المناظر العثاث و الملاح، و الأوجه القباح و الصباح، و الانوف فاصلة بين الأعطار الفوائح، و بين مستكرهات الروائح، و الأفواه مميّزة بين طعوم المآكل و المشارب، و بين المستبشعات منها و الأطايب، و الأيدي مفرزة لما استلانت ممّا استخشنت، و لما استخفّت ممّا استرزنت[٦]، كذلك الآذان تعزل مستقيمات الألحان من عوجها، و تعرف مقبول الكلام من ممجوجها، و الألسن تنبسط إلى ما أشبه من الكلام مجاج الغمام[٧]، و تنقبض عمّا يشاكل منه اجاج[٨] الجمام[٩]، و هذه طريقة عامّية يسمعها و يبصرها و يسلّمها و لا ينكرها من يرى به شيء من
[١] مغذات: مسرعات.
[٢] أخياف أي مختلفون، و الطماطم جمع طمطم، و هو الذي في لسانه عجمة لا يفصح
[٣] اناس الشيء يونس نوسا و نوسانا: تحرّك و تذبذب متدلّيا.
[٤] الفود: معظم شعر الرأس ممّا يلي الاذن، و وفودا الرأس جانباه.
[٥] صماخ الأذن- بالكسر-: الخرق الذي يفضي إلى الرأس، و هو السميع، و قيل هو الاذن نفسها.
[٦] رزنت الشيء أرزنه رزنا، إذا رفعته لتنظر ما ثقله من خفته، و شيء رزين أي: ثقيل.« الصحاح- رزن- ٥: ٢١٢٣».
[٧] مجاج الغمام: مطره.
[٨] ماء أجاج أي ملح، و قيل: مرّ، و قيل: شديد المرارة، و قيل: الاجاج: الشديد الحرارة.
[٩] الجمة: المكان الذي يجتمع فيه ماؤه، و الجمع: الجمام.