التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١٤
و العنصر، و بمنزلة الإكسير و الجوهر، فعجمها مبسوطات فرائد، و دافها[١] الواحد فالواحد، و تقلقلت في يده قبل التأليف، تقلقل الدنانير في أيدي الصياريف[٢]، حين تراهم ينفون زيفها و بهرجها[٣]، و يصطفون إبريزها و زبرجها، فتخيّر من بينها أطوعها مخارج، و تنخّل منها أوطأها مدارج و ميّز أسلسها على الأسلات[٤]، و أعذبها على العذبات[٥]، و أحلاها في الذوق و أسمحها، و أبهاها عند السبر و أملحها، و أبعدها من مجّ الأسماع، و أقربها امتزاجا بالطباع، و أوقعها لفحول الأمة الناغمة بأجراسها، و أحسنها طباقا لطرق أنفاسها.
و لمّا انتقل من انتقاء وسائطها، بعد انتقاد بسائطها، إلى أن يؤلّف و يركّب، و يرصّف و يرتّب، عمد في عمل التراكيب إلى أشرف الأنماط و الأساليب، فألّف أنماطا تستهش[٦] أنفس الناطقين، و كلمات تتحلّب[٧] لها لهى[٨] الذائقين، و تجول في فجوات الأفواه، فتتمطّق[٩] بها مستلذّات، و يطرق
[١] داف الشيء دوفا، و أدافه: خلطه.
[٢] لم يرد جمع الصيرفيّ أي النقّاد على هذه الصيغة إلّا في الشعر، قال ابن منظور:« الجمع صيارف و صيارفة، و الهاء للنسبة، و قد جاء في الشعر الصيارف، فأمّا قول الفرزدق:
|
تنفى يداها الحصى في كلّ هاجرة |
نفي الدراهيم تنقاد الصياريف |
|
[٣] البهرج: الباطل، و اللفظة معرّبة، و قيل: كلمة هندية أصلها نبهله، و هو الردي، فنقلت إلى الفارسية، فقيل نبهره، ثم عرّبت فقيل: بهرج.
[٤] الأسلات: جمع أسلة، و هي طرف اللسان.
[٥] عذبة اللسان: طرفه، و الجمع« عذبات» كقصبة و قصبات.
[٦] يقال: استهشّني أمر كذا فهششت له أي: استخفّني فخففت له.
[٧] تحلّب العرق و انحلب أي: سال.
[٨] جمع لهاة، و هي اللحمات في سقف أقصى الفم.
[٩] يقال: ذاقه فتمطّق له إذا ضمّ شفتيه إليه و ألصق لسانه بنطع فيه مع صوت.