التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠٨
و أهل الحجى، يدركون غوامض المعاني بأفهامهم، و لهم المعاني العجيبة، و التمثيلات البديعة، و التشبيهات النادرة.
و إن قال: بهرهم النظم العجيب، يقال له: أ ليس معنى النظم هو تعليق الكلم بعضها ببعض، و هي الأسماء و الأفعال و الحروف، و معرفة طرق تعلّقها كتعلّق الاسم بالاسم، بأن يكون خبرا عنه أو صفة له أو عطف بيان منه، أو عطفا بحرف عليه، إلى ما شاكله من سعة وجوهه، و كتعلّق الاسم بالفعل، بأن يكون فاعلا له، أو مفعولا، إلى سائر فروعه و أتباعه، و كتعلّق الحرف بهما كما هو مذكور في كتب النحو، و هم كانوا يعرفون جميع ذلك، و كانوا يستعملونه في أشعارهم و خطبهم و مقاماتهم، و لو لم يعرفوا وجوه التعلّق في الكلم و وجوه التمثيلات و التشبيهات لمّا تأتّى لهم الشعر الذي هو نفث السحر.
فحين تأتّى لهم ذلك، و مع هذا عجزوا عن المعارضة، دلّ على أنّ اللّه تعالى أحدث فيهم عجزا و منعا.
قال: و لأنّ الإعجاز في القرآن لو كان لمكان اختصاصه بالفصاحة و البلاغة لنزل القرآن من أوّله إلى آخره في أعلى مراتب الفصاحة، و لكان كلّه على نسق قوله تعالى: وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ ...[١]. و ليس كلّه نزل على هذا النسق، بل فيه ما هو في أعلى مراتب الفصاحة كما ذكرنا، و ما هو دونه كقوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ[٢] و إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ[٣] و قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ[٤] و لأنّ الحال لا تخلو إمّا أن يقال: لا رتبة في الفصاحة أعلى من رتبة القرآن، كما ذهب إليه بعض أهل العدل، فقالوا: لو كان في المقدور رتبة أعلى منها
[١] هود: ٤٤.
[٢] المسد: ١.
[٣] النصر: ١.
[٤] الكافرون: ١.