التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠٧
كل لسان إذا ربطت بعض الكلم ببعض، و راعيت في ربطها الأليق فالأليق، حصل لك المقرّر و المقصود، و قارن في هذه القضية لغة العرب و غيرها من اللغات على السواء.
و منها: أنه لا يخفى أنّ القرآن سيّد معجزات رسولنا عليه الصلاة و السلام، و العلم بكونه معجزا علم ضروريّ، و لكنّ الشأن في بيان إعجازه.
فمن قائل يقول و هو النظام و من تبعه: إنّ الآية و الأعجزية في القرآن اختصاصه بالإخبار عن الغيوب بما كان و يكون، و بمنع اللّه العرب أن يأتوا بمثله. قال: و أمّا التأليف و النظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد، لو لا أنّ اللّه تعالى منعهم و أعجزهم بمنع و عجز أحدثهما فيهم.
و من قائل يقول: وجه الإعجاز في القرآن أنه أسلوب من أساليب الكلام، و طريقة ما عهدها العرب و لا عرفوها، و لم تكن مقدورة لهم.
و من قائل يقول: وجه الإعجاز فيه علمنا بعجز العرب العاربة عن أن يأتوا بمثله، و تركهم المعارضة مع تكرار التحدّي عليهم و طول التقريع لهم، فإذا عجز العرب عن ذلك فنحن أولى بالعجز.
و من قائل يقول: وجه الإعجاز فيه هو ما اختصّ به من الفصاحة و البلاغة التي بهرهم عند سماعها، و طأطئوا رءوسهم عند طروقها، و عليه الأكثرون.
فإن عسى اعترض المعترض و قال: ما ذا أعجزهم؟ و ما ذا أبهرهم؟ ألفاظ القرآن أم معانيه؟! إن قال: أردت الألفاظ مع شيء منهما لا يجب فضل البتة على تقدير الانفراد، لأنّ الألفاظ [لا] تراد لنفسها، و إنّما تراد لتجعل دلالات على المعاني، و لأنّ الألفاظ التي نطق بها القرآن ليست إلّا أسماء و أفعالا و حروفا مرتبطا بعضها ببعض، و يستعملونها في مخاطباتهم، و كذلك الجمل المنظومة.
و إن قال: أعجزهم المعاني، يقال له: أ ليس أنّهم كانوا أرباب العقول