التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠٦
أدام اللّه إمتاع المسلمين ببقائه، و إن كانت مقصورة على الاستعداد للمعاد، مستغرقة في إتعاب خاطره الوقّاد في فنون الاجتهاد، لا يفتر طرفة عين عن تصنيف ينفث فيه سحره، و يلفظ للغوّاصين فيه درّه، بعد أن جشّم خاطره في «الكشّاف عن حقائق التأويل» و أجال رويّته في البحث عن وجوه التأويل، مدئبا في الفكر مطاياه، متغلغلا في علم البيان إلى زواياه و خباياه، حتى ارتفع كتابا ساطعا بيانه، جليّا برهانه، مشحونا بفوائد لا يدركها الإحصاء، و محاسن لا يقصرها الاستقصاء، لكنّه مع هذا يتوقّع من دينه المتين و فضله المبين أن يتصدّق على معشر الداعين لأيّامه، الشاكرين لإنعامه، بالجواب عن اعتراضات تنزاح بسببه شبه المرتابين، ليتوصّلوا بنتائج خاطره، و بركات أنفاسه، إلى ثلج الصدور و برد اليقين، و اللّه تعالى وليّ توفيقه في ما يكسبه جزيل المثوبة في العقبى، و حسن الاحدوثة في الدنيا، إن شاء اللّه.
فمنها: سأل سائل فقال: ذكرتم أنّ لغة العرب لها من الفضيلة ما ليس لسائر اللغات، فقلتم قولا غفلا ساذجا من غير أن تشيروا إلى بيان وجه التفضيل، و تبيّنوا الخواصّ التي لأجلها أحدث وصف الفضيلة و الشرف، و تعدّوها فصلا فصلا، و تشيروا إليها شيئا فشيئا، و ما أنكرتم على من قال لكم:
إنّ لغة العرب و غيرها من اللغات المختلفة كالسريانية و العبرانية و الهندية و الفارسية كلّها على السواء، لا فضيلة لبعضها على البعض، و إنّما هي مواضعات و رسوم و اصطلاحات وضعت لأجيال الناس للإفهام و الإعلام، لتكون دلالات على المقاصد و الأغراض.
و ذكرتم أنّ في لغة العرب دقائق و أسرارا لا تنال إلّا بجهد التأمّل و فرط التيقّظ، فلا يخفى أنّ هذه الأسرار و الدقائق لا يمكن دعواها في الأسماء المفردة و الأفعال المفردة و الحروف المفردة، و إنّما يمكن دعوى هذه الأسرار على تقدير ارتباط الكلم، و جعل بعضها يتّصل بسبب بعض و ينتظم، و مثل هذا موجود في