التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠١ - الطرف الثاني في بيان ما يتعلق بالفصاحة المعنوية
و كلّ واحد منهما ملائم للمعنى الذي جيء به من أجله، و هكذا تجد ألفاظ القرآن على هذه الصفة، و هذا إنما يدرك بالقريحة الصافية و الذوق السليم.
الثالث: الجمع و التفريق، و هما أيضا من أوصاف البلاغة، فأمّا الجمع فكقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ[١] و قوله تعالى: الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ[٢] فهذه الامور قد جمعها. و أمّا التفريق فكقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ ... وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ[٣] و قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ ... وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ[٤] إلى غير ذلك من أفانين الجمع و التفريق، و هما كثيرا الورود في كتاب اللّه تعالى.
الرابع: التهكّم، و هو إنما يكون عن شدّة الغضب، و مثاله قوله تعالى:
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ[٥] فالبشارة إنما تورد في الامور السارّة اللذيذة، و قد أوردها هنا في عكسها تهكّما بهم و غضبا عليهم، و نحو قوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ[٦] فالغرض من مقصودهم إنّك السفيه الجاهل، و لكنّهم أخرجوه على هذا المخرج تهكّما به، و إنزالا لدرجته عندهم، و وروده في القرآن أكثر من أن يحصى على أفانين مختلفة، و قد أشرنا إليها فيما سبق.
الخامس: التسجيل، و هو عبارة عن تطويل الكلام لإفادة مدح أو ذمّ، و مثاله الآيات الواردة في عبدة الأوثان و الأصنام، فإنّ اللّه تعالى ما ذكرهم إلّا و سجل عليهم بالنعي لأفعالهم، و الذمّ لمقالتهم، و الاستهجان لعقولهم، و الإنزال لدرجاتهم، و هذا كقوله تعالى:
[١] آل عمران: ١٤.
[٢] الكهف: ٤٦.
[٣] هود: ١٠٦- ١٠٧.
[٤] آل عمران: ١٠٦ و ١٠٧.
[٥] آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤.
[٦] هود: ٨٧.