التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠٠ - الطرف الثاني في بيان ما يتعلق بالفصاحة المعنوية
الطرف الثاني: في بيان ما يتعلّق بالفصاحة المعنوية
و إنما أوردنا هذا بيانا للفصاحة المعنوية لمّا كان متعلّقا بالمعاني دون الألفاظ، و جملة ما نورده من ذلك ضروب عشرة، ففيها كفاية في غرضنا.
الأول: التتميم، و هو الإتيان بجملة عقيب كلام متقدّم لإفادة التوكيد له و التقرير لمعناه، و مثاله قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ[١] فقوله: وَ هَلْ نُجازِي إنّما ورد على جهة التوكيد لما مضى من الكلام الأول، و قوله تعالى: وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ثم قال: أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ[٢] فأورده على جهة توكيد الكلام الأول، ثم قال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ[٣] تأكيدا ثانيا لما سلف من الجملة الأولى، و اللّه أعلم بالصواب.
الثاني: الائتلاف و الملاءمة، و هو أن يكون اللفظ ملائما للمعنى، فإذا كان الموضع موضعا للوعد و البشارة كان اللفظ رقيقا، و مثاله قوله تعالى: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ[٤] و قوله تعالى: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[٥] فانظر إلى هذه الألفاظ كيف رقّت و كان فيها من السلاسة ما لا يخفى، و إذا كان الموضع موضعا للوعيد و النذارة كان اللفظ جزلا، و مثاله قوله تعالى: وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا[٦] و قوله تعالى: وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ[٧] فانظر إلى التفاوت بين المقامين في الجزالة و الرقّة،
[١] سبأ: ١٧.
[٢] الأنبياء: ٣٤.
[٣] الأنبياء: ٣٥.
[٤] التوبة: ٢١.
[٥] الصف: ١٣.
[٦] الأنعام: ٢٧.
[٧] القصص: ٦٢ و ٧٤.