التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٠ - آية القصاص
حياتهم، و ليكون رادعا لمن أراد الإجرام- فأزمعت بكليتها على وضع عبارة موجزة وافية بهذا المقصود الجلل و أجمعت آراؤهم على عقد الجملة التالية:
«القتل أنفى للقتل» غفلت عن لفظة «القصاص» و استعملت كلمة «القتل» مكانها، ذهولا عن أنها لا تفي بتمام المقصود، و هم بصدد الايفاء و الايجاز.
ذلك أنّ الذي يحدّ من الاجرام على النفوس و يحقن دماء الأبرياء هو فرض عقوبة القصاص، و هو قتل خاص، و ليس مطلق القتل بالذي يؤثر في منعه، بل ربما أوجب قتلات اذا لم يكن قصاصا.
و مع الإحاطة بهذه المزايا في لفظ «القصاص» جاء قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ[١] تعبيرا تامّا وافيا بالمقصود تمام الوفاء. بل و فيها زيادة مزايا شرحها أرباب الأدب و التفسير.
قال سيّدنا الطباطبائي- طاب ثراه-: إنّ هذه الآية- على اختصارها و ايجازها، و قلّة حروفها، و سلاسة لفظها، و صفاء تركيبها- لهي من أبلغ التعابير و أرقى الكلمات. فهي جامعة بين قوّة الاستدلال و جمال المعنى و لطفه، و رقّة الدلالة و ظهور المدلول.
و قد كان للبلغاء قبلها كلمات و تعابير في وضع قانون القصاص، كانت تعجبهم بلاغتها و جزالة اسلوبها، كقولهم: «قتل البعض إحياء للجميع» و قولهم: «أكثروا القتل ليقلّ القتل» و أعجب من الجميع عندهم قولهم:
«القتل أنفى للقتل».
غير أنّ الآية أنست الجميع، و نفت الكل، «و لكم في القصاص حياة» فهي أقلّ حروفا و أسهل تلفّظا. و فيها تعريف القصاص و تنكير الحياة، دلالة
[١] البقرة: ١٧٩.