التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩٠ - (النظر الثالث) في أسرار الكناية
وَ الْمَطْلُوبُ. ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[١] فهذه الآية إنما وردت على جهة التعريض بحال الكفّار من عبدة الأوثان و الأصنام، و أنّ من هذا حاله في الضعف و الهوان و العجز كيف يستحقّ أن يكون معبودا، و أن توجّه إليه العبادة، و هو لا يستنقذ شيئا من أضعف الحيوانات، و لا يقدر على دفعه لو أراد به سوء، فهذه في دلالتها على ما تدلّ عليه لم تبق عليهم في النعي شيئا، و لا تركت عليهم بقية في نقص عقولهم، و الازدراء بأحلامهم، و التسفيه لما هم عليه من ذلك، فصدّر الآية بما هو المقصود على جهة التأكيد بقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ و لم يقل إنّ هذه الأوثان، تقريرا بالصلة و الموصول لما هم عليه من اتّخاذهم شركاء، و اسم الأوثان و الأصنام لا يؤدّي هذا المعنى، ثم عقّبها بالنفي على جهة التأكيد ب (لن) في المستقبل بقوله: لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً دلالة على العجز و إظهارا في أنّ من هذا حاله فلا يستحقّ أن يكون معبودا، و لا يستأهل الشركة في الإلهية، ثم بالغ في استحالة الخلق منهم للذباب بقوله تعالى:
وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لأنّ بالاجتماع تكون المظاهرة حاصلة، فإذا كان الإياس من خلقه مع الاجتماع، فهو مع الانفراد أحقّ لا محالة، ثم أكّد ذلك بقوله:
وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ يشير بذلك إلى أنهم عاجزون عن خلق الذباب و تدبيره نهاية العجز، و يدلّ على ذلك أنهم لو أخذ منهم الذباب شيئا على جهة السلب و الاستيلاء ما قدروا على أخذه و الانتصار منه.
و هذا هو النهاية في تقاصر الهمم و حقارتها و أنهم في الحقيقة جامعون بين خصلتين، كل واحدة منهما كافية في العجز، فضلا عن اجتماعهما، إحداهما:
عدم القدرة على خلق الذباب، و الثانية: عدم الانتصار منه إذا رام أخذ شيء منهم.
[١] الحج: ٧٣ و ٧٤.