التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨٩ - (النظر الثالث) في أسرار الكناية
إليها و رمزنا إلى مقاصدها في قاعدة الكناية من الكتاب.
و من ذلك قوله تعالى: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ[١] فهو دالّ على ما وضع له في أصله من إفادته لحقيقة الأكل، لكنّه مقصود به قضاء الحاجة، و هو مجاز في حقّه، فلهذا قلنا بأنّ الكناية دالّة على حقيقة الكلام و مجازه.
و من ذلك قوله تعالى: وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها[٢] فقوله: وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها كما يحتمل الحقيقة و هي الأرض المنبتة فهو يحتمل أن يراد به المجاز، و هو الفروج التي ملكهم إيّاها بالاسترقاق، فلهذا أحلّ الوطء، و يصدق هذه الكناية قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ[٣] فأمّا التعريض فهو كما أشرنا إليه دالّ بالقرينة و ليس دالّا على حقيقة و لا مجاز.
و هذا كقوله تعالى في قصّة إبراهيم عليه السّلام: قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ[٤] فهذه الآية إنما وردت كناية و تعريضا بحالهم، و تهكّما و استهزاء بعقولهم، و لم يرد إسناد الفعل إلى كبيرهم، فذلك مستحيل لكونه جمادا، و لكنّه أراد التسفيه لحلومهم، و الاستضعاف لعقولهم، كأنه قال: يا جهّال البريّة كيف تعبدون ما لا يسمع و لا يعقل و لا يجيب سؤالا و لا يحير جوابا، و تجعلونه شريكا لخالق السماء و الأرض في العبادة، فإن كان كما تزعمون فهو إنّما فعله كبيرهم فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ.
و من ذلك قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ
[١] المائدة: ٧٥.
[٢] الأحزاب: ٢٧.
[٣] البقرة: ٢٢٣.
[٤] الأنبياء: ٦٢ و ٦٣.