التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨٣ - (النظر الأول) في التشبيه
هاهنا هي المشبّهة و هي عقلية، بالسبع و هو حسّي، قال:
|
و إذا المنيّة أنشبت أظفارها |
ألفيت كلّ تميمة لا تنفع |
|
و رابعها: أن يكون المشبّه حسّيا و المشبه به عقليا كالعطر بخلق الكريم و منه قوله تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ[١] فشبّه حال الكفرة في ما هم فيه من الكفر و الجحود و الإصرار و التمادي على الباطل بظلمات بعضها فوق بعض، فلا يدرك لها حالة في النور و لا يهتدي إليه.
الرابع: في حكم التشبيه، و ربّما كان قريبا، و ربّما كان بعيدا، و تارة يكون واضحا، و مرّة يكون خفيا، و ربّما كان غريبا وحشيا، و ربّما كان مألوفا.
و اعلم أنّ جميع التشبيهات الواردة في كتاب اللّه تعالى خالية عن هذه الشوائب كلّها، أعني الغرابة و البعد في مفرداتها و مركّباتها، لا يعترضها شيء من هذه العوارض في التشبيهات الواردة في غيرها، و الحمد للّه.
فأمّا المفردة فهي كل ما كان التشبيه فيها حاصلا باعتبار صورة بصورة، أو معنى بمعنى من غير زيادة، و هذا كقوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ[٢] فشبّه السماء يوم القيامة بالدّهان، و هو الجلد الأحمر، و نحو قوله تعالى: فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌ[٣] فشبّه العصا بالجانّ لا غير، من غير زيادة، و هي كثيرة في القرآن، أعني التشبيهات المفردة، و هي في ورودها على جهة القرب في تشبيهها غير بعيدة، و مألوفة غير مستنكرة، قد حازت من اللطافة و الرقّة ما لا يخفى حاله على ناظر، و مثال البعيد تشبيه الفحم- إذا كان فيه جمر- ببحر من مسك موجه ذهب، و نحو تشبيه الدم بنهر من ياقوت، فما هذا حاله يصعب وجوده إلّا على جهة التصوّر، و مثال الخفيّ تشبيه الامور المحسوسة بالمعاني، كما شبّهت النجوم
[١] النور: ٤٠.
[٢] الرحمن: ٣٧.
[٣] النمل: ١٠، القصص: ٣١.