التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨٢ - (النظر الأول) في التشبيه
العظيمة، و الإيلامات المهلكة، فهكذا ترى جميع التشبيهات الواقعة في التنزيل، فإنّ لها مقاصد عظيمة، و مضمّنة لأغراض دقيقة يعقلها من ظفر في هذه الصناعة بأوفر حظّ، و كان له فيها أدنى ذوق، و حام حول تلك الدقائق بذهن صاف عن كدور البلادة، فعن قريب يحصل على البغية بلطف اللّه تعالى و حسن توفيقه.
الثالث: في كيفية التشبيه، و هو في وروده يكون على أوجه أربعة:
أولها: أن يكونا- أعني المشبّه و المشبّه به جميعا- مدركين بالحس، و هذا نحو تشبيه الخدّ بالورد، و الشعر الفاحم بالليل، و من هذا قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَ الْمَرْجانُ[١] و قوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ[٢] و غير ذلك ممّا يكون طريقه الحسّ و المشاهدة، و هو أجلى ما يكون من التشبيهات، لقوته و ظهور طريقه.
و ثانيها: أن يكونا جميعا عقليين من غير إحساس، كالعلم بالحياة، فيشبّه العلم بالحياة لما فيه من النفع في الآخرة، و يشبّه الجهل بالموت لما فيه من خمول الذّكر، و قد أشار اللّه تعالى إلى هذا بقوله: أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها[٣] فالإحياء و الإماتة هنا مجاز في العلم و الجهل، و أنّ المقصود من الآية تفاوت ما بين الحالتين، بين من أحياه اللّه تعالى بالعلم، و بين من أماته اللّه تعالى بالجهل، كما أنّ من كان في الظلمة ليس حاله كحال من هو في النور، يتصرّف و يتقلّب.
و ثالثها: أن يكون أحدهما حسّيا، و الآخر عقليا، كالمنيّة بالسبع، فالمنيّة
[١] الرحمن: ٥٨.
[٢] الصافّات: ٤٩.
[٣] الأنعام: ١٢٢.