التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨٠ - (النظر الأول) في التشبيه
على طريقة الإخبار، و هما مستويان في الإفادة لمقصود التشبيه و إن اختلفا فيما ذكرته.
الثاني: في بيان الغرض من التشبيه، اعلم أنّ الغرض من حال التشبيه أن يكون المشبّه به أعظم حالا من المشبّه في كلّ أحواله، و قد يأتي على العكس كقول من قال:
|
و بدا الصباح كأنّ غرّته |
وجه الخليفة حين يمتدح |
|
فبالغ حتى جعل المشبّه أعلى حالا من المشبّه به في الوضوح و الجلاء، لأنّ الغالب في العادة هو تشبيه بياض الوجه بغرة الفجر، فأمّا هاهنا فعلى العكس من ذلك، و قد يرد لأغراض كثيرة:
أولها: التقرير و التمكين في النفس، كمن يراه يسعى في أمر لا طائل فيه و لا ثمرة له، فيقال له: ما سعيك في هذا الأمر إلّا كمن يرقم على الماء و يخطّ على الهواء، فيترك الأمر لعدم فائدته و بطلان جدواه.
و ثانيها: أن يكون المقصود بيان جنس المشبّه إمّا في علوّ نفسه، كتشبيه بعض الأشخاص بالملائكة، لطهارة نفسه و عفّة أثوابه، قال:
|
فلست لإنسيّ و لكن لملائك |
تنزّل من جوّ السماء يصوب |
|
و إمّا في نزول همّته، كتشبيه بعض الأشخاص بالسباع، كما شبّه اللّه المنافقين في ذهابهم عن الدّين، و ضعف أفهامهم عن قبول الحقّ بقوله:
كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ[١] فمثل حالهم في نفارهم عن الحقّ و بعدهم عن قبوله، كمثل حمير الوحش عند نفارها و دهشها و قلقها، برؤية بعض الآساد، فما تتمالك في الهرب، و لا ترعوي عند رؤيته، و تركب الصعب و الذّلول، و هكذا حال اليهود، فإنه تعالى مثّلهم- فيما حمّلوا من أحكام التوراة ثم
[١] المدّثّر: ٥٠ و ٥١.