التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧٧ - القسم الثاني ما يتعلق بالعلوم البيانية
هذا قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ[١] و قوله تعالى: وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ[٢] فهذه أحرف قليلة تحتها فوائد غزيرة، و نكت كثيرة، فهذا نوع من المساواة.
و ثانيهما: أن يكون المقصود المساواة من غير تحرّ و لا طلب اختصار، و يسمّى (المتعارف).
و الوجهان محمودان في البلاغة جميعا، خلا أنّ الأول أدلّ على البلاغة و أقوى على تحصيل المراد، و لهذا فإنّك ترى أهل البلاغة متفاوتين في ذلك، فأعظمهم قدرا فيها من كان يمكنه تأدية مقصوده في أخصر لفظ و أقلّه، و هذا لا يكون إلّا لمن كان له موقع فيها بحيث يمكنه التقصير و الاختصار في لفظ قليل، و لنقتصر على هذا القدر من العلوم المعنوية، ففيه كفاية للمطلوب.
القسم الثاني ما يتعلّق بالعلوم البيانية:
و هو في مصطلح أرباب هذه الصناعة عبارة عن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة و بالنقصان عنها، و مثاله أنّك اذا أردت أن تحكي عن زيد بأنه شجاع فبالطريق اللغوية أن تقول: زيد شجاع يشبه الأسد في شجاعته، و إذا أردت الإتيان بهذا المعنى على طريق البلاغة فإنك تقول فيه:
رأيت الأسد، و كأنّ زيدا الأسد، فالأول هو الاستعارة، و الثاني على طريق التشبيه، فعلم البيان إنما يكون متناولا للدلالة الثانية، لأنّ فيها تحصيل الزيادة و النقصان في المعنى المقصود و فائدته الاحتراز عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه، فصارت الدلائل ثلاثا: دلالة المطابقة، و هي الدلالة اللغوية،
[١] الرحمن: ٦٠.
[٢] سبأ: ١٧.