التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧١ - النظر الرابع
لاختصاصه بما اختصّ به.
و لنقتصر على هذا القدر من التنبيه على درجات الفصل، و أغفلنا ذكر ما يتعلّق بهاتين الآيتين من العلوم المعنوية و العلوم البيانية، و ما يليق بهما من علم البديع، ميلا إلى الاختصار.
و هذا من مغاصات بحار التنزيل المحصّلة لخالص عقيانه، و أسماط عقوده المؤلّفة من درره و حصيد مرجانه، قد استخرجها النقّاد و الغاصة، و استولوا على لباب تلك الأسرار، و أحاطوا منها بالخلاصة.
(الضرب الثاني) في بيان عطف الجمل بعضها على بعض، و ما هذا حاله فهو كثير الدور في كتاب اللّه تعالى، و لا بدّ أن يكون بينهما نوع ملاءمة، لأجله جاز عطف إحداها على الاخرى كقوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ[١] و قوله تعالى: يُراؤُنَ النَّاسَ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا[٢] و نحو قوله تعالى: كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا[٣] فأمّا قوله تعالى: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ[٤] فإنما ورد من غير ذكر الواو، لما كان واردا على جهة التعليل، فلهذا لم ترد فيه واو، كقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ[٥] و من هذا قوله تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ. وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ. وَ إِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ. وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ[٦] فهذه الامور كلّها عطف بعضها على بعض بجامع يجمعها، و هو كونها من أمارات القيامة.
و من هذا قوله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوانُ لُوطٍ. وَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ.[٧]، فإنّما جاز العطف
[١] النساء: ١٤٢.
[٢] النساء: ١٤٢.
[٣] الأعراف: ٣١.
[٤] الأنعام: ١٤١، الأعراف: ٣١.
[٥] الأنفال: ١٣، الحشر: ٤.
[٦] الانفطار: ١- ٤.
[٧] ق: ١٢- ١٤.