التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧ - ليس كمثله شيء
و عليه فكان موضع الكاف هنا، نفيا للمماثلة و ما يشبه المماثلة أو يدنو منها بعض الشيء، فليس هناك شيء يشبه أن يكون مماثلا له تعالى، فضلا عن أن يكون مثلا له على الحقيقة. و هذا من باب التنبيه بالأدنى دليلا على الأعلى، على حدّ قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ[١].
و تأويل آخر أدق: و هو أنّ الآية لا ترمي نفي الشبيه له تعالى فحسب، إذ كان يكفي لذلك أن يقول: «ليس كاللّه شيء» أو «ليس مثله شيء». بل ترمي وراء ذلك دعم النفي بما يصلح دليلا على الدعوى و الإلفات إلى وجه حجة هذا الكلام و طريق برهانه العقلي.
أ لا ترى أنك اذا أردت أن تنفي نقيصة عن انسان، فقلت: «فلان لا يكذب» أو «لا يبخل» كان كلامك هذا مجرّد دعوى لا دليل عليها. أمّا اذا زدت كلمة المثل و قلت: «مثل فلان لا يكذب» أو «لا يبخل» فكأنك دعمت كلامك بحجّة و برهان، إذ من كان على صفاته و شيمه الكريمة لا يكون كذلك، لأنّ وجود هذه الصفات و النعوت ممّا تمنع عن الاستسفال إلى رذائل الأخلاق.
و هذا منهج حكيم وضع عليه اسلوب كلامه تعالى، و أنّ مثله تعالى- ذا الكبرياء و العظمة- لا يمكن أن يكون له شبيه، و أنّ الوجود لا يتسع لاثنين من جنسه[٢].
فجيء بأحد لفظي التشبيه ركنا في الدعوى، و بالآخر دعامة لها و برهانا عليها. و هذا من جميل الكلام، و بديع البيان، و من الوجيز الوافي.
قال الزمخشري: قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، و هم يريدون
[١] الإسراء: ٣٣.
[٢] النبأ العظيم: ص ١٢٨.