التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦٥ - النظر الرابع
و هكذا ورد في سورة الذاريات قال اللّه تعالى: إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ[١] ثم قال: فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ[٢] و هذا من الاختصار العجيب اللائق بالتنزيل.
و ثانيها: أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة الإيضاح و البيان بالإبدال كقوله تعالى: بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ. قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ[٣] فالقول الأول هو الثاني، أورد على جهة الشرح و البيان، لما دلّ عليه الأول، و قوله تعالى: وَ اتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ. وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ[٤] فانظر كيف شرح الإمداد الثاني، إيضاحا للأوّل و تقوية لأمره. و قوله تعالى: قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ[٥] فالاتّباع الثاني وارد على جهة الإيضاح، و هكذا القول في كل جملة أتت عقب اخرى على الإبدال منها، فإنها تأتي من غير واو لما ذكرناه.
و ثالثها: أن تكون الجملة الأولى واردة على جهة الخفاء، و المقام مقام رفع لذلك اللبس، فتأتي الجملة الثانية على جهة الكشف و الإيضاح لما أبهم من قبل، و مثاله قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ[٦] ثم قال: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ[٧] فجرّد قوله يُخادِعُونَ اللَّهَ عن الواو، إرادة لإيضاح ما سلف من قوله: آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ و مراده أنّ كل ما كان قولا باللسان من غير اعتقاد في القلب فهو خداع لا محالة، و هذه هي حالتهم فيما صدر منهم من الإيمان باللسان.
[١] الذاريات: ٢٥.
[٢] الذاريات: ٢٧.
[٣] المؤمنون: ٨١ و ٨٢.
[٤] الشعراء: ١٣٢- ١٣٤.
[٥] يس: ٢٠ و ٢١.
[٦] البقرة: ٨.
[٧] البقرة: ٩.