التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦٤ - النظر الرابع
العلياء، و نحن الآن نشير إلى زبد منهما ممّا يتعلّق بغرضنا.
أمّا الفصل فهو- في لسان علماء البيان- عبارة عن ترك الواو العاطفة بين الجملتين، و ربما أطلق الفصل على توسّط الواو بين الجملتين، و الأمر في ذلك قريب بعد الوقوف على حقيقة المعاني، لكن ما قلناه أصدق في اللقب من جهة أنّ الجملة الثانية منفصلة عمّا قبلها، فلا تحتاج إلى واصل هو الواو، فلأجل هذا كان ما ورد من غير واو بين الجملتين أحقّ بلقب الفصل، و هذا يرد في التنزيل على أوجه نذكرها:
أولها: أن تكون الجملة واردة على تقدير سؤال يقتضيه الحال، فلأجل هذا وردت هذه الجملة مجرّدة عن الواو، جوابا له، و مثال قوله تعالى في قصّة موسى عليه السّلام مع فرعون: قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ[١] فإنما جاءت من غير واو على تقدير سؤال تقديره: فما ذا قال فرعون لمّا دعاه موسى إلى اللّه تعالى؟
قال فرعون وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ ثم قال موسى قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ[٢] و إنما جاءت من غير واو لأنها على تقدير سؤال كأنه قال: فما قال موسى؟ قال: الآية، و هلمّ جرّا إلى آخر الآيات التي أتت من غير واو كقوله تعالى: قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ. قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ. قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ. قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ. قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ[٣] فانظر إلى مجيء القول من غير واو على جهة الاتّصال بما قبله على تقدير السؤال الذي ذكرناه.
[١] الشعراء: ٢٣.
[٢] الشعراء: ٢٤.
[٣] الشعراء: ٢٥- ٣١.