التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥٩ - (الضرب الأول)
حذف الفعل انفصل الضمير لا محالة، و قوله تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ[١] أي:
هلك امرؤ هلك، و الذي جرّأ على حذفه هو دلالة حرف الشرط عليه، لأنّ الشرط إنّما يتّصل بالفعل لا غير و يختصّ به.
الحالة الثالثة: تعلّق الشرط به، و اعلم أنّ جميع الشروط كلّها مختصّة بالأفعال، لأنها تتجدّد، و الأفعال متجدّدة، فلا جرم ناسب معناها الفعل فاختصّت به.
فإنّ الشرطية لا تقع إلّا في المواضع المحتملة المشكوك فيها، قال اللّه تعالى:
وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها[٢] و قال تعالى: وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ[٣] و قال تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ[٤] ف «إن» استعملت في مقام القطع، فإمّا أن يكون على جهة التجاهل و أنت قاطع بذلك الأمر، و لكنك تري أنك جاهل به، و إمّا على أنّ المخاطب ليس قاطعا بالأمر، و إن كنت قاطعا به كقولك لمن يكذّبك فيما تقوله و تخبر به: إن صدقت فقل لي ما ذا تفعل، و إمّا لتنزيل المخاطب منزلة الجاهل، لعدم جريه على موجب العلم، و هذا كما يقول الأب لابن لا يقوم بحقّه: إن كنت أباك فاحفظ لي صنيعي فيك.
و أمّا (إذا) فإنها تكون شرطا في الأمور الواضحة كقوله تعالى: ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ[٥] و تقول: إذا طلعت الشمس جئتك، و قال تعالى: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ[٦].
و (من) للتعميم في اولي العلم، قال اللّه تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ[٧]
[١] النساء: ١٧٦.
[٢] الأنفال: ٦١.
[٣] فاطر: ٤.
[٤] المائدة: ٤٢.
[٥] الروم: ٣٣.
[٦] النساء: ٨٣.
[٧] النساء: ١٢٣.