التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥ - آيتا السرقة و الزنا
و هي مسألة يعرف سرّها الآن علماء التشريح (الفسيولوجيا) و يدركون أنّ جهاز السمع أرقى و أعقد و أدقّ و أرهف من جهاز الابصار. و يمتاز عليه بإدراك المجرّدات كالموسيقى، و إدراك التداخل مثل حلول عدة نغمات داخل بعضها بعضا، مع القدرة على تمييز كل نغمة على انفراد، كما تميّز الام صوت بكاء ابنها من بين زحام هائل من أصوات متداخلة. يتمّ هذا في لحظة زمن ... أمّا العين فهي تتوه في زحام التفاصيل و لا تعثر على ضالّتها. يتوه الابن عن عين امّه في الزحام و لا يتوه عن سمعها. و العلم يمدّنا الآن بألف دليل على تفوّق معجزة السمع على معجزة البصر. و لم يكن هذا العلم موجودا أيام نزول القرآن سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ[١]. و هذا تحدّ بمستقبل الأيام سوف يصادف على آيات ما زالت تقرأ و هي غيوب محجّبة.
إنه الانضباط و الإحكام في كل لفظة و في كل حرف، لا تتقدّم كلمة على كلمة إلّا بسبب، و لا تتأخّر كلمة عن كلمة إلّا بسبب، فما هذا الإصرار على تقدّم السمع على البصر في تعبير القرآن؟ إنه تكرار متعمّد برغم أنّ النظرة العامّية إلى الأمور تنظر إلى البصر بإجلال أكثر[٢].
آيتا السرقة و الزنا:
و هو حينما يذكر السرقة نراه يورد السارق مقدّما على السارقة وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما[٣]. أما في الزنا فنراه يذكر الزانية مقدّمة على الزاني الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ[٤]. و الحكمة واضحة
[١] فصّلت: ٥٣.
[٢] محاولة لفهم عصري: ص ٢٥١.
[٣] المائدة: ٣٨.
[٤] النور: ٢.