التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٤٣ - النظر الأول
وردا على قصد البيان للفظ الدابة و لفظ طائر، و تقريرا لمعناهما، و رفعا لما يحتملانه من غير المقصود، و هكذا قوله تعالى: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ[١] فقوله: «من فوقهم» إنّما ورد على جهة البيان و رفع الاحتمال من لفظة السقف.
(و منها) تقديمه على المسند نفسه، و ذلك يكون لأحوال نرمز إلى شيء منها.
إمّا لأنّ تقديمه هو الأصل و لم يعرض ما يقتضي العدول عنه، و إنما كان هو الأصل من جهة أنه طريق الى معرفة ما يذكر بعده، و من ثمّ اشترط تعريفه إلّا لعارض.
و إمّا لأنه استفهام فيستحقّ التصدير كقولك: أيّهم عندك، قال اللّه تعالى: أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا[٢] في أحد وجوهه.
و إمّا لأنه وارد على جهة الشأن و القصّة كقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[٣].
و إمّا لأنّ في تقديمه تشويقا للسامع الى ما يكون بعده من الخبر كقولك:
الأمير قادم، و الخليفة خارج، إلى غير ذلك.
و إمّا لأن يتقوّى إسناد الخبر إليه لأجل تقديمه كقوله تعالى في سورة النحل:
وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا[٤] فكرّر ذكر اسمه و قدّمه، لما يريد من تعديد نعمه، و ظهور قدرها، و علوّ أمرها على الخلق.
و إمّا من أجل تعظيمه كقوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ[٥] إلى غير ذلك من الامور المقتضية لتقديمه المؤذنة بأسرار تحت التقديم لا تكون مع التأخير.
[١] النحل: ٢٦.
[٢] مريم: ٦٩.
[٣] الإخلاص: ١.
[٤] النحل: ٨١.
[٥] البقرة: ٢٥٥، آل عمران: ٢.