التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٤ - النظر الأول
وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ[١] و قوله تعالى: وَ قالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ[٢] إلى غير ذلك من الأخبار التي يكون إسنادها إلى فاعلها على جهة الحقيقة.
(الثاني) أن يكون الإسناد على جهة المجاز العقلي، و المراد من هذا هو أنّ إسنادها إلى فاعلها يقضي العقل باستحالته، فلا جرم كان مجازا عقليا، و هو في القرآن كثير، و يقال له المجاز المركّب، و الغرض أنّ مجازه ما كان إلّا من أجل تركيبه، و هذا كقوله تعالى: وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها[٣] فإنّ الإخراج حقيقة في الدلالة على معناه، و الأرض حقيقة، لأنها موضوعة على معناها الأصليّ، و المجاز إنّما نشأ من جهة إسناد الإخراج إلى الأرض. و هكذا قوله تعالى: وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً[٤] فإنّ قوله «تليت» دالّة على حقيقته، و الآيات على حقيقتها، لكن المجاز جاء من جهة إسناد (تليت) إلى الآيات[٥]، و نحو قوله: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ[٦] فالأخذ على حقيقته، و الأرض على حقيقتها، لكن المجاز حاصل من جهة إسناد الأخذ إلى الأرض، و قوله تعالى: يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ[٧] في قصّة فرعون، فإنّ الذبح و الأبناء دالّان على معنييهما بالحقيقة، لكن المجاز إنما كان من أجل إسناد الذبح إلى فرعون، و ليس ذابحا، و إنما الذابح غيره، و هكذا حال الاستحياء في قوله تعالى:
وَ يَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ.
فهذا ما أردنا ذكره من بيان ما يتعلّق بمطلق الإسناد، و لنردفه بما يتعلّق
[١] النور: ٤٥.
[٢] النحل: ٥١.
[٣] الزلزلة: ٢.
[٤] الأنفال: ٢.
[٥] هذا سهو، و إنما المجاز العقلي في قوله تعالى: زادَتْهُمْ إِيماناً
[٦] يونس: ٢٤.
[٧] القصص: ٤.