التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٣ - الطريقة الاولى مجملة
و سببها حسن النظم و جودة السبك، فمن أجل ذلك يحصل قانون البلاغة و يبدو رونقها و لا شكّ أنّ ما هذا حاله قد حصل في القرآن على أتمّ وجه و أكمله.
و إن اعتاص عليك ما ذكرته من معرفة هذه الأسرار في كتاب اللّه تعالى، و دقّ عليك تمييز بلاغة معانيه و فصاحة ألفاظه، و صعب عليك معرفة حسن التأليف منه و عجيب انتظامه و جودة سياقه، فاعمد إلى أفصح كلام تجده من غير القرآن، و قابل به أدنى سورة من سوره أو آية من آياته، في وعظ أو وعد أو وعيد، من تمثيل أو استعارة أو تشبيه، أو غير ذلك من أفانين الكلام و أساليبه، فإنك إذا خلعت ربقة الهوى، و سلبت عن نفسك رداء التعصّب، وجدت مصداق ما قلته من ذلك.
فهذا كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليس بعد كلام اللّه تعالى إلّا كلامه، و هو أفصح من غيره من سائر الكلام، فاذا قابلت قوله تعالى: وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ[١]
بقوله عليه السّلام: (كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب، و كأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب، و كأنّ الّذي نشيّع من الأموات سفر عمّا قليل إلينا راجعون)
فها هما قد اتّفقا على وصف معنى واحد، و هو الموت و العود إلى الآخرة، و تصرّم الدنيا و انقضاء أحوالها و طيّها، و الورود إلى الآخرة، و لكن القرآن متميّز في تحصيل هذا المعنى و تأديته، تمييزا لا يدرك بقياس، و لا يعتوره التباس.
و إذا كان القرآن فائقا على كلام الرسول و كلام أمير المؤمنين، مع أنهما النهاية في البلاغة و الفصاحة فهو لغيرهما أفوق، و علوّه عليها أبلغ و أحق.
و هذه طريقة مرضية في الدلالة على فصاحة القرآن، و يتّضح ذلك بمثال، و هو أنّ أهل بلد لو كانوا أربعين فأرادوا مناظرة رجل واحد فاختاروا من اولئك
[١] العنكبوت: ٦٤.