التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٨ - الاستدراج
قال: يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ و قد علم أنّه نبيّ صادق، و أنّ كلّ ما يعدهم به لا بدّ و أن يصيبهم، لا بعضه، لأنّه احتاج في مقاولة خصوم موسى عليه السّلام أن يسلك معهم طريق الإنصاف و الملاطفة في القول، و يأتيهم من جهة المناصحة، ليكون أدعى إلى سكونهم إليه، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، و أدخل في تصديقهم إياه، فقال: وَ إِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ و هو كلام المنصف في مقابلة غير المشتطّ، و ذلك أنّه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به، لكنّه أردف بقوله:
يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ليهضمه بعض حقّه في ظاهر الكلام فيريهم أنّه ليس بكلام من أعطاه حقّه وافيا، فضلا عن أن يتعصّب له، و تقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل، كأنّه برطلهم[١] في صدر الكلام بما يزعمونه، لئلّا ينفروا منه.
و كذلك قوله في آخر الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ أي هو على الهدى، و لو كان مسرفا كذّابا لما هداه اللّه للنبوّة، و لا عضده بالبيّنات و في هذا الكلام من خداع الخصم و استدراجه ما لا خفاء به، و قد تضمّن من اللطائف الدقيقة ما إذا تأمّلته حقّ التأمل أعطيته حقّه من الوصف.
و ممّا يجري على هذا الأسلوب قوله تعالى: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً. يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا. يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا. يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا[٢]
[١] يقال: برطل فلان فلانا أي: رشاه، فتبرطل: فارتشى.
[٢] مريم: ٤١- ٤٥.