التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٤ - القول بالموجب
الجدلي في مصطلح علماء الميزان[١].
نعم، هو من ألطف أنواع البديع، في معاكسة كلام صديق أو مناقضة قول خصيم.
قال ابن حجّاج:
|
قلت ثقّلت إذ أتيت مرارا |
قال ثقّلت كاهلي بالأيادي |
|
|
قلت طوّلت، قال لي بل تطوّل |
ت و أبرمت، قال حبل ودادي |
|
و من أمثلته في القرآن المجيد قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ- يريدون بالأعزّ أنفسهم، و بالأذلّ المؤمنين ...
و صادقهم تعالى على إخراج الأعزّ الأذلّ، غير أنّه تعالى فسّرهما على عكس مطلوبهما وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ[٢] كناية عن أنّ المؤمنين سوف يكونون هم الذين يخرجون المنافقين من المدينة، لأنّهم هم الأعزّاء و غيرهم الأذلّاء.
و قوله تعالى: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ[٣] كأنّه قيل: نعم، هو اذن، و لكن نعم الاذن، أي هو اذن كما قلتم، إلّا أنه اذن خير لا اذن سوء. فسلّم لهم قولهم فيه، إلّا أنّه فسّره بما هو مدح له، و إن كان قصدوا به المذمّة. و لا شيء أبلغ في الردّ من هذا الاسلوب، لأنّ فيه إطماعا في الموافقة، و كرّا إلى إجابتهم في الإبطال، و هو كالقول بالموجب في الاصول[٤].
[١] هو القياس المؤلّف من قضايا مسلّم بها لدى الخصم، فيبتنى عليها الكلام لدفعه.
[٢] المنافقون: ٨.
[٣] التوبة: ٦١.
[٤] نقله ابن معصوم عن الطيبي، راجع أنوار الربيع: ج ٢ ص ٢٠٠.