التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١١ - أنواع من الاستدلال البديع في القرآن
أنواع من الاستدلال البديع في القرآن
قلنا: من بديع بيانه تعالى لإقناع الخصوم هو ذاك لطيف برهانه، همسا في الأسماع و وخزا في القلوب. فتلك حججه قاطعة و دلائله لائحة، ترفع الغبار عن وجه الحقيقة بيد ناعمة و لمس خفيف، و تكشف النقاب عن محيّى الحقّ بإشارة خفية نافذة إلى الأعماق.
و ممّا وقف عليه العلماء من أسرار بيان القرآن هو جمعه لأنواع البراهين العقلية، و لكن لا بمثل تلك التعقيدات التي تكلّفها المتكلّمون، بل جريا مع المتعارف من الكلام المعقول. وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[١]. فإنّ الراغب في دقيق المحاجّة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام. و من استطاع أن يفهم الأكثر بالأوضح من البيان لا يلجأ إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلّا الأقلّون.
فقد أخرج اللّه تعالى مخاطباته في محاجّة العباد في أبهى صورة و أجلى بيان، ليفهم العامّة من جليلها ما يقنعهم و يلزمهم الحجة، و تفهم الخواصّ من أثنائها ما يربي على ما أدركه فهم الخطباء، و هذه مزيّة خارقة في القرآن، قناعة كافية للعوام، و حجة وافية للعلماء، و بذلك فاق سائر الكلام.
[١] إبراهيم: ٤.