التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٠ - إقناع العقل و إمتاع النفس
فمن أين لك بكلام واحد و بيان واحد و اسلوب واحد، يفيض عليك من الحقيقة البرهانية و الدلائل العقلانية، بما يرضي اولئك الفلاسفة الحكماء، و المتعمّقين النبلاء، و يرضخ بعقولهم الجبّارة.
و إلى جانب ذلك- و في نفس الوقت- يضفي عليه من المتعة الوجدانية و العذوبة و الحلاوة و الطلاوة، ما يسدّ فهم هؤلاء الشعراء المرحين و أصحاب الأذواق الرقيقة الفكهين.
ذلك هو اللّه ربّ العالمين، الذي لا يشغله شأن عن شأن، القادر على أن يخاطب العقل و القلب معا بلسان واحد، و أن يمزج الحقّ و الجمال جميعا، يلتقيان و لا يبغيان ... فيستخرج منهما اللؤلؤ و المرجان ... و يسقيك من هذا و ذاك شرابا طهورا، عذبا فراتا، سائغا لذّة للشاربين.
هذا هو الذي تجده في كتاب اللّه الكريم، حيثما توجّهت و أينما تولّيت بوجهك. إنّه في فسحة قصصه و أخباره عن الماضين، لا ينسى حقّ العقل من حكم و عبر. و أنّه في مزدحم براهينه و دلائله، لا يغفل حظّ القلب من رغبة و رهبة و شوق و رجاء. يبثّ ذلك بوفرة شاملة، في جميع آياته و بيّناته، في مطالعها و مقاطعها و تضاعيفها، الأمر الذي تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ[١]. و إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ[٢].
[١] الزمر: ٢٣.
[٢] الطارق: ١٣ و ١٤.