التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٩ - إقناع العقل و إمتاع النفس
النفسية على سواء ... و لو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فإنّها لا تعمل في النفس دفعة و بنسبة واحدة، بل متناوبة في حال بعد حال، و كلّما تسلّطت قوّة اضمحلّت اخرى و كاد ينمحي أثرها. فالذي ينهمك في التفكير تتناقص قوّة وجدانه، و الذي يسعى وراء لذائذه عند ذاك تضعف قوّة تفكيره و هكذا لا تقصد النفس إلى هاتين الغايتين قصدا واحدا أبدا ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ[١].
و كيف تطمح أن يهب لك إنسان مثلك هاتين الطلبتين على سواء و هو لم يجمعهما في نفسه على سواء، و ما كلام المتكلّم إلّا انعكاس الحالة الغالبة عليه (و كلّ إناء بالّذي فيه ينضح). قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ[٢] و فاقد الشيء لا يستطيع أن يمنحك به.
هذا مقياس يمكنك أن تتبيّن فيه ما لكلّ لسان و ما لكلّ قلم من قوّة غالبة عليه، حينما ينطق و حينما يكتب. فإذا رأيته يتّجه إلى حقيقة فرغ له بعد ما قضى وطره ممّا مضى ... عرفت بذلك أنّه يضرب بوترين، و يتعاقب على نفسه الشعور و التفكير تعاقب الليل و النهار لا يجتمعان.
و أمّا أنّ اسلوبا واحدا يتّجه اتّجاها واحدا، و يستهدف هدفا واحدا، و يرمي إلى غرض واحد، و لكنّه مع ذلك قد جمع لك بين الطريقتين: إقناع عقلك و إمتاع نفسك معا، و في آن واحد و في كلام واحد، كما يحمل العنصر الواحد من الشجرة الواحدة أوراقا و أثمارا، أنوارا و أزهارا، معا، أو كما تجري الروح في الجسد و الماء في العود الأخضر ... فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر على الإطلاق، و لا هو من سنن اللّه في النفس الإنسانية ... ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ.
[١] الأحزاب: ٤.
[٢] الإسراء: ٨٤.