التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٨ - إقناع العقل و إمتاع النفس
المتينة تراه لا يتغافل عن إمتاع النفس بلطائف كلامه الظريفة و رقائق بيانه العذبة السائغة، جامعا بين اناقة التعبير و فخامة المحتوى، سهلا سلسا يستلذّه الذوق و يستطيبه الطبع، عذبا فراتا لذّة للشاربين.
إنّ للنفس الإنسانية جهتين: جهة تفكير يكون مركزه العقل، وجهة إحساس يكون مركزه وجدان الضمير، و حاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها.
فأمّا إحداهما فإنّها تنقّب عن الحقّ لمعرفته أوّلا، و للعمل به ثانيا. و أمّا الاخرى فإنّها تحاول تسجيل أحاسيسها بما في الأشياء من لذّة و ألم، و متعة و غذاء للنفس.
و البيان التامّ هو الذي يوفّي لك الحاجتين جميعا، و يطير بنفسك بكلا الجناحين، فيؤتيها حظّها من الفائدة العقلية، إلى جنب إيفائها متعة الوجدان و إشباع غريزتها في عواطف الإحساس.
أمّا الحكماء فإنّما يؤدّون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك، و لا يهمّهم جانب استهواء نفسك و نهم عاطفتك، يقدّمون حقائق المعارف و العلوم، لا يأبهون لما فيها من جفاف و عري و نبوّ عن الطباع.
و أمّا الشعراء فإنّما يسعون إلى استثارة وجدانك و تهييج عواطفك و أحاسيسك، و إمتاع سمعك و ضميرك، فلا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيّا أو رشدا، و أن يكون حقيقة أو تخيّلا، فتراهم جادّين و هم هازلون، يستبكون و إن كانوا لا يبكون، و يطربون و إن كانوا لا يطربون وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ[١] و كلّ إنسان حينما يفكّر فإنّما هو فيلسوف، و كل إنسان حينما يحسّ فإنّما هو شاعر. و لا تتكافأ القوّتان: (قوّة التفكير و قوّة الوجدان). و كذا سائر القوى
[١] الشعراء: ٢٢٤- ٢٢٦.