التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٤ - سطوع براهينه
قوله: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ[١] على التسليم أنّ أحدهما أهون من الآخر فيما يسبق إلى نفوس العقلاء[٢].
سطوع براهينه:
قلت: دلائل القرآن لامعة، و براهينه ساطعة، لكن لا على الأساليب المعقّدة التي ينتهجها أرباب الكلام، بل على طريقة العقلاء في متعارفهم، في قوّة منطق و إناقة بيان. فقد أخذ من المسلّمات (القضايا البديهية و المعترف بها) برهانا على النظريّات، و من المشاهدات المحسوسة دليلا على حقائق راهنة لا محيص عنها. كل ذلك على طريقة واضحة و محجّة لائحة. يستذيقها الطبع، و يستلذّها الذوق، و تستسلم لها العقول. إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ[٣].
منها قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ[٤].
هذا استدلال على الطريقة العقلانية، إذ لو كان للّه ولد- كما يقوله هؤلاء البعداء عن ساحة قدسه تعالى- لكان أول معترف به هم الرسل الذين جاءوا من عنده، و هم أقرب إليه ممّن سواهم.
و قوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا[٥]. و قد أوضحته آية اخرى:
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ[٦]. أيضا طريقة عقلانية يتسلّمها العقلاء عند المقايسة.
[١] الروم: ٢٧.
[٢] النكت في إعجاز القرآن: ص ١٠٥.
[٣] ق: ٣٧.
[٤] الزخرف: ٨١.
[٥] الأنبياء: ٢٢.
[٦] المؤمنون: ٩١.